رجال و لا كأي رجال ... لكن

Publié le par httpslam

كنت أشرت لهذه المقالة للدكتور فريد الأنصاري قبل شهور. لكني اليوم أعيد نشرها بوعي جديد، و روح جديدة. بعد أن أكسبتني الأيام الأخيرة دروسا لا أظنني أنساها ما حييت.

إخواني... لنعش سوية مع من باعوا نفوسهم لله، لمن فنيت ذواتهم في خدمة الآخرين.


http://www.hiramagazine.com/archives_show.php?ID=275&ISSUE=13


لولا أني رأيتُهم لقلت إنه مجرد وهمٍ أو هُراء أو خيال.. ظلال نورية لجيل الصحابة الكرام، جمعوا بين خصلتين عظيمتين من خصالهم الكبيرة: الهجرة والنصرة. فلم يكن منهم مهاجرون وأنصار، بل كانوا مهاجرين أنصارًا. وللصحابة فضلهم الذي لا يبارى!
والهجرة إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام كلمات تتلفظ بها الأفواه ولكن قلّما تعيها القلوب. فأن يترك الفتى حياة الراحة والدعة وبريق المدينة الجذاب، ثم يضرب في الأرض ليغوص في غربة بعيدة، يحمل في يده قنديلا من نور؛ بحثًا عن المستضعفين في بقاع الأرض، من أجل إطعامهم جرعة من رحيق الحياة، فيتحمّل في سبيل ذلك فناءَ نفسه وذوبان ذاته ونسيان دنياه. فتلك تجربة روحية لا يعرفها حقًّا إلا من عاناها، وإنها لعقبة دونها عقبات، تنتصب في مدارج المجاهدات.
من بلاد الأناضول تشرق شمسهم، ثم تتدفق أشعتها نحو كل العالم خيوطا بلورية وهّاجة، تصل الأرحام القديمة وتذكي الحنين الجريح.. مهاجرون تركوا خلفهم كل شيء وانطلقوا كالخيول العارية، يفتحون الأبواب والنوافذ للمحاصَرين في كل بقاع الأرض، ويعلّمونهم كيف يستنشقون من جديد هواء الفضاء الفسيح، بعدما فقدوا إحساسهم بالحياة منذ قرون.
مهاجرون، هجروا هذا الذي تذل له القلوب الميتة: متاع الحياة الدنيا وزينتها، رغم تدفقه عليهم من كل الجهات، وانطلقوا سائرين إلى الله، يوزّعون كلمات النور ويبشرون العالم بالأمن والسلام ويبعثون في قلوب الفقراء الأمل العظيم. كانت جحافلهم تتفرق بين الصحارى والجبال والأدغال والمحيطات... وقد تَكْبُو فرَسٌ هنا أو هناك، ولكن الطليعة أبدا تصِل إلى غايتها، وترفع راية النور فوق أعالي القمم الشامخة، فيشمخ الدين بهم ويعتزّ..
ظلال من جيل الصحابة أو نُسخ أخرى لستُ أدري.. ولقد رأيتهم وما كذبت عيني. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا.. فلله درّهم.. أي رجال هم!؟
أنصار.. فلقد نَصروا الخير فكانوا أنصار العصر الجديد.. كلما رأوْا شمعةَ نور تضطرب في عاصفة الريح في أي بقعة من العالم، أسرعوا إليها غير مبالين بالصعاب واحتضنوها بمشكاة من زجاج بلوريّ، فتصير كأنها كوكب درّي، ينبُض بالجمال والبهاء..
جاعوا ليأكل غيرهم.. وعَرُوا ليلبس فقراؤهم، وعَدِمُوا ليملك مستضعفوهم، وبكوا ليضحك إخوانهم... فكانوا حقّا يوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
أنصار.. اقتبسوا نصرتَهم استمدادا من نور المدينة المنورة، بُعَيد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إليها مباشرة، ولمّا يزل فرحُ أهلِ يَثرب جديدا يتفجّر طربا.. من هناك أخذوا حقيقة نصرتهم، نديّة طريّة كغُصنٍ رطيب، يَنثر النّدى والثمارَ اللذيذة.
هاجروا ونصروا، فأَعطوا من ذاتهم لسِفار الهجرة، وأعطوا من ذاتهم لدافة النصرة، فما بقي لهم في هذه الأرض من شيء! ولكنهم في عالم الروح يملكون كل شيء، استنادا إلى لله الغنيّ الحميد.
مجانين.. يعشقون الخدمة اغترابا، من قَرِّ "سبريا" إلى حَرِّ جنوب إفريقيا.. ولا تركوا جزيرة أو مغارة أو سهلا أو جبلا من كل قارّات العالم إلا دخلوه، ووزّعوا فيه شُعاعات الصبح القريب.. يبتسمون للَسع الآلام، ويسعدون بعبور حقول الشوك الجارح فتسيل الدماء من أقدامهم، وتسيل الدموع من عيونهم، والقلب مسرور بالله!..
رجال.. رجال لو تحدث عنهم كتاب قديم، لقلنا إنها مبالغة من مبالغات كتب القصص والطبقات والمناقب.. لكنهم يعيشون "الآن" في الحاضر والمستقبل، فهاهم أولاء أمامك نماذج حيّة من الشوق الملتهِب والفاعلية العظيمة.. فأكرِمْ بهم وأنعِمْ من شباب وكهول.. أحيَوْا فينا أمل الحياة، ومدّونا بيقين الشروق الجديد.. فكانوا مصداقا لكلمات النبوة، في أنّ الله سينصر هذا الدين نصرا عالَميًّا، حتى لا يبقى بيتُ وَبَرٍ ولا مدَر إلا دخله بعز عزيز أو ذل ذليل..
ولقد رأيتُ أنوار الأسماء الحسنى تنعكس على عيونهم، وتتدفق من بين أيديهم.. فيتبعون هُداها منجذبين بقوتها إلى تحقيق قدر الله العظيم، في إحياء الأرض بعد موتها بالغنى والكرم والجود. ترى الواحد منهم أمّة في رجل أو رجلا في أمة.. قد تنبهر إذ تقع عيناك على أي طيف منهم فتقول: "وَيْ كأن ليس له مثيل"، فإذا رأيتَ الآخر أنساك جمالُه بهاءَ الأول. جمعوا أخلاق الخير والفضيلة كلها. نظرة واحدة فيهم تغنيك عن قراءة كتب الفلسفة والأخلاق، وخيالات المدينة الفاضلة. فهؤلاء لا يتكلمون عن الأخلاق، بل هم الأخلاق نفسها تمشي على الأرض، في زمن صار الخلق الكريم فيه قطعة مهملة في متحف التاريخ.
هل تريد أن تكون منهم؟.. فكّرْ، فكّر! قبل أن تقول "نعم".. فإنما هي كلمة تقولها، وإنها لدعوى عريضة، دونها اقتحام العقبة.. وما أدراك ما العقبة؟! أن تبيع نفسك لله كاملة، فلا يبقى منك لك شيء، أيّ شيء.. تستسلم لمراد الله حيث ما سارت بك مقاديره، حتى تُدفَن بذرتك في أيّ نقطة من العالم، بعيدًا بعيدًا عن وطن الأُنس والأهل والأحباب.. زادك الوحيد، وغذاؤك الفريد "ذكر الله" و"الاستمداد من نوره العظيم".
أن تكون منهم معناه أن ينساك الناس كلهم، ويذكرك الله وحده، وأن تخرج من الدنيا وأنت ما تزال حيًّا تعيش فيها، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، فلا ترى في نفسك ولا لنفسك شيئًا.. وترى أقرانك من معارفك القريبين، ممن تضخّمت عندهم ذواتهم، ولم يستطيعوا أن يتخلصوا من أغلال التراب، ولا أن يُفْلِتوا من شباك الأسباب، يرتقون في درجات الوهم الدنيوي، فيُطلّون عليك من أبراجهم العالية، بما يملكون من مناصب وألقاب! وأنت تمشي على التراب حافي القدمين، فقيرا من كل شيء، إلا من مدد الله العظيم.. ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾(الفرقان:20).
أتريد أن تكون منهم؟.. "نعم"، تلك كلمة سهلة النطق، لكنها تجربة مريرة.. ومَن قال: إن النار ليست لها خاصية الإحراق"، فليَمُدَّ إليها يدَه.. فهل أنت مستعد لأن تحترق حتى يصير جسمك رمادا؟ فتذروه الرياح في كل قارات العالم، ذرّاتٍ متناثرة هنا وهناك، ما سقطت منها واحدة على تربة قاحلة إلا جعلَتها تخضرّ، وتُنْبِتُ من كل زوج بهيج..
هؤلاء هم عماليق العصر، ونماذج الإنسان الحق الذي ينتظره العالم منذ زمان بعيد.. فهل آن الأوان لتستعيد الأرضُ أمانها الذي أودعه فيها سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام؟!.
حاصَروا ظُلْمَ البنادق المتارس بالمعاهد والمدارس، وأطفؤوا نيران الفتن والحروب بالكلمات والحروف.. فكل مدرسةٍ يَبنونها هنا أو هناك تَغدوا شجرةً خضراء، ما تزال تفرّخ حولها فسائل منها تَنمو ثم تنمو، حتى تصير البلاد أشجارا وأشجارا، فإذا بغابة الخير تَخنُق صوتَ الرصاص البغيض، وتقضي على رائحة البارود النتة..
معلّمون.. انتشروا في كل مكان، يعلّمون أطفال العالم منطق الطير وتراتيل العصافير، ويرسمون على السبّورات الخضراء أمامهم أحلامَ الغد الجميل ومعالم الطريق إلى الجنة. فللطفولة المتخرِّجة من بين أحضانهم -عَبر كل قارّات الأرض- نشيدٌ واحدٌ، يبشر الأمة بالخير والسلام..
ملائكةُ الذكر تحبُّهم، فلطالما استمعت إلى أهازيجهم الشجيّة.. وملائكة العلم تعرفهم، فلطالما حملت بأجنحتها طلائعهم، وهي تضرب في الأرض نحو غابات أسطرالْيا أو صحارى آسيا أو أدغال إفريقيا أو نحو ضباب الغرب البعيد.. ليطلقوا شعاع النور من فوق ناطحات السحاب.. معلّمون عُزَّل، إلا من سلاح التربية والتعليم! يغامرون باقتحام المخاطر في كل مكان، فيرحلون بصدورٍ عارية، ووجوه تبتسم أمام فُوّهات الموت! ولربّما خرقت بعضَها رصاصةُ غدرٍ، أو نائبةُ دهرٍ، فلا يرجعون القهقرى أبدا!..
بين أيديهم بصيرةٌ بعيدةُ المرمَى لا تخطئ غايتها، ومن خلفهم إرشادٌ مكين، يزودهم بما تلقى عن الله من واردات الهدى.. فيبثهم من أشجان قلبه الملتهبة "الموازين" و"طرق الإرشاد" و"النور الخالد" و"المنشور" و"ملامح الجيل المرتقب"... إلخ، واردات من النور تتدفق عليهم عبر جداول لا يكاد ينقطع مددها بإذن الله..
سادتي!.. أنتم المجاهدون حقّا، فعليكم من الله السلام

Publié dans Rappelle-toi que...

Commenter cet article