الرهب الاجتماعي و قضايا الدعوة ـ فريد الانصاري

Publié le par httpslam

[...]وأخيراً..

بقي لنا شيء واحد هو تعلم علاج جميع مشكلاتنا النفسية والاجتماعية بترياق الثقة بالله!

وهو أمر محمود مطلوب على كل حال. يحتاجه القوي والضعيف، والسليم والعليل! وكل من لم يتلق حقيقة أن: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ هلك!

وعلى قدر المهمة المنوطة بالعبد تكون حاجته إلى هذا الزاد الإيماني العظيم: الثقة بالله! ولا أعظم في الأرض من مهمة الدعوة إلى الله، وبلاغ رسالاته إلى الناس كل الناس! وإنك لتنتظر أن تُرَدَّ على وجهك بشر الكلام، وأن تشتم وتوصف بأردأ العبارات! ولكن لا أنا ولا أنت نكون أفضل من سيدنا رسول الله عليه أزكى الصلاة والتسليم! وقد قيل فيه ما قيل، وناله ما ناله من الأذى في الله، فاحتسب وصبر!

وما من عبد كان دائم الاستمداد من الله، فإنه ينجح في مهمته بإذن الله، سواء كانت مهمة دعوية أو دنيوية، كل ذلك سواء.. لكن بشرط مراعاة الضوابط الشرعية في القول والعمل!

وإن قصة موسى في القرآن لهي من أعظم القصص القرآني، في بيان هذا المعنى من التربية على القوة، والفتوة، والثقة العالية بالله! بلا غطرسة ولا كبرياء، ولا ظلم ولا اعتداء، ولا تمجيد للنفس وأناها، كما يفعله بعض الجهلة بالله اليوم! بل بعبودية خالصة كاملة، متذللة لله، خاضعة لسلطانه العظيم جل جلاله وعلاه!

ولقد سجل القرآن المجيد أربعة مواقف من الخوف والتردد، واجهها موسى عليه السلام في دعوته، فتعلم فيها من الله عقيدة الثقة بالله، ولم يزل كذلك يتدرج في مدرسة الله؛ حتى أُعلن نجاحه على درجة "أولي العزم من الرسل!"
وانتصبت من الآيات قاعدة قرآنية عظيمة: هي أن أكبر طريقة للانتصار على العمل الْمَخُوفِ هو المبادرة إلى اقتحام ذلك العمل الْمَخُوفِ نفسه! والاصطدام بواقعه بقوة! وليكن ما يكون! ستعرق! وستغرق! وسترتعد! وترتجف! وستحمر وتضطرب! ولكن ذلك الموقف سينتهي قطعا، كما ينتهي كل شيء، وإنك ستكون قد ثقبت ثغرة في جدار الخوف؛ لأنك قد وصلت إلى النتائج – كيفما كانت - على كل حال!

إن معنى أن تستمد الثقة بالله من الله، هو أن تعيش حياتك على عقيدة أنك تحمل رسالات الله! هكذا نعم، فلتشعر أنك رجل صاحب رسالة! رسالة عظيمة عظيمة! وأنك تعيش حياتك على عين الله، وفي معيته العليا سبحانه! في دينك، ودعوتك، وعملك، وتجارتك، وصناعتك، وسائر حياتك! وإنك إذن ستجد يقينا أن الله لن يخذلك! لن يخذلك أبداً! وستعيش هذه الحقيقة العظيمة في حياتك كلها! فمن استغنى بالله كفاه! ولنا أن نتدبر هذه الآية/العلامة مليا! قال جل جلاله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾[الزمر: 36].

أما مدرسة موسى عليه السلام، فقد سجلت تدرجه عبر فصولها في أربعة امتحانات من الخوف، كان زاده الوحيد فيها هو تجديد الثقة بالله! وبيانها هو كما يلي:

- الامتحان الأول: الخوف من العصا لما انقلبت – بإذن الله - حية بين يديه لأول مرة، فولى منها هارباً! قال سبحانه: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ! يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ! إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ!﴾[النمل:10] فلنتأمل هذا الدواء الرباني العظيم: (إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ!) فكذلك كل من عاش لرسالة إيمانية نبيلة من دعاة الخير، في كل زمان.

- الامتحان الثاني: الخوف من الطغاة، ومما يمكن أن يرفع ضده من التهم بالحق أو بالباطل! ونبش الملفات القديمة! ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. ﴾[القصص: 33] وسيأتي علاجه من القرآن في الامتحان الثالث.

- الامتحان الثالث: الخوف من التلعثم والاضطراب، والفشل في المهمة، وما يترتب عن ذلك من التكذيب! قال تعالى حكاية عن موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾[القصص: 34] وأوضح منه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ : 12-14]. فكان الترياق الشافي ما وصفه الله تعالى في سورة طه: ﴿قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى. قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 45-46]. نعم هكذا: ﴿لاَ تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وهو تجلٍّ من تجليات الثقة العالية بالله.. وسترى لذلك نتيجة قرآنية عظيمة باهرة، في ختام هذه الورقة إن شاء الله.

- الامتحان الرابع: الخوف من دجل السحرة، واجتماعهم ضده – بعد دخوله في المواجهة عمليا - تماما كما يتألب رجال السياسة والإعلام الفاجر اليوم ضد الحق! قال تعالى حكاية عن موسى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى. فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى. قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى! وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى!﴾[ طه: 66/69].

تلك كانت امتحانات أربعة كان الزاد الرئيس فيها لموسى وهارون قول الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46] نعم، ذلك هو مصدر الثقة العالية بالله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]!
ولذلك تكللت مساعي موسى بالنجاح الباهر! النجاح النفسي قبل النجاح العسكري! فقد جمع فرعون كيده وقرر إبادة بني إسرائيل جميعا، والقضاء على كل من آمن بموسى عليه السلام فأوحى الله إلى نبيه الأمر بالخروج من أرض مصر، وهناك في الطريق لاحق جيش الطاغية فرعون قافلةَ المؤمنين لسحقها! حتى إذا أشرف الطاغية بجيشه على المؤمنين، يئس المستضعفون الهاربون من النجاة! لكن موسى وحده أيقن – هذه المرة- بالانتصار، يقين معاينة ومشاهدة! ولم يسجل القرآن عليه أنه شعر بشيء من الخوف، ولا مقدار ذرة! مع أنه خاف قبل ذلك مما هو دون هذا بكثير! قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ! قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ! فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾[الشعراء: 61/63]! نعم هكذا قول العبد الواثق بربه: (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ!).. (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ!).. (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ!)..

تلك هي أصول الثقة بالله، وتلك مدرستها، تحتاج إلى دربة ومكابدة، نعم، لكن المتخرج منها لا يعرف الفشل أبداً! ولقد تزلزل موسى - وهو من هو قوة وجلدا! – تزلزل مرات ومرات! لكنه في الأخير أعلنها قوية مدوية! في أحرج موقف وأشده على المؤمنين! (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ!)..

ولقد علم إخواننا أن علاجات القرآن لا تؤخذ معرفةً صوريةً، ولكنها تؤخذ مكابدةً ومجاهدةً! فمن عَرِقَ وجَهِدَ من ثقلها، وأَنَّ من جمراتها؛ نال ثمراتها – إن شاء الله – قوةً وفتوةً، في دينه وإيمانه وجميع معاشه!

تلك حقيقة قرآنية كبرى، من عاشها وذاقها، وغذى قلبه بوارداتها؛ هان عليه كل شيء، كل شيء! فالله أكبر، ولله الحمد!


ـــــــــــانتهى.

Publié dans A l'écoute des Autres

Commenter cet article