جحيم الكاريان سنطرال

Publié le par httpslam

الدار البيضاء.. مدينة العناء و الشقاء!

هكذا فكرتُ و أنا أقرر "السفر" خارج المدينة إلى "ضواحيها". بعد أسبوع من العمل المضني، و من التلوث السمعي ـ البصري ـ الحسي ـ الهوائي...، لا يَسَعُ المرءَ يوم السبت إلا الهربُ بجلده إلى مكان "ما"..

اقترح صاحبي "الخِضْرُ" أن نذهب إلى الحي المحمدي، و استحسنتُ الفكرة. فقد قمت بزيارتين سابقين إلى "الحي" ـ واحدة قبل سنة و نصف و الأخرى قبل سنتين و نصف ـ و بقيت الزيارتان في وجداني. أجل، ما أجمل أن تتجول في الكاريان سنطرال، حيث ترى الوجه الحقيقي للمغرب، الوجه الذي يحرص بعضهم على إخفائه..

وصلنا إلى هنالك. و قبل أن ندخل بدقائق، ذكرني الخِضْرُ أن الاحتلال الفرنسي كان قد نفذ محرقة في الكريان سنطرال قبل فترة طويييلة. و علق على ذلك أن الحي ما زال إلى الآن يتعرض إلى القصف، لكن من أبناء جلدته..

ترى هل كان يعلم الخِضْرُ أننا على مشارف محرقة جديدة؟
...

نحن الآن في حدود الكاريان.. يشير الخِضْرُ إلى دخان يرتفع عاليا إلى السماء... أقترح عليه أن ندخل لنستطلع الأمر، من باب الفضول ليس إلا..


لكن الأمر هذه المرة كان أعمق من مجرد "ظاهرة اجتماعية" يستطلعها المترفون فكريا و ماديا مثلي. كان الناس يندفعون من كل مكان إلى كل مكان. يبدو أن هنالك حريقا.. الشباب هنا و هناك يركض عاري الصدر و الذراعين.. الهلع يبدو على الوجوه..


وجدنا أنفسنا "نتبع الموجة" إلى أن وصلنا إلى "أصل الجحيم".. نار عظيمة تشتعل في "براكات". الناس جَوْقَات مُجَوَّقة حول النار، ذاهلون. و بعض الشباب القوي يهاجم النار بيأس، لكن من يستطيع صد نار اليأس إذا استحكمت حلقاتها؟


ثلاثة فتيان يحملون "صفيحة" ضخمة لوقف امتداد النار.. لوهلة أفكر في مساعدتهم، لكن الأموال و الأعمال تجذبني إلى الوراء "إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا".. فرجعتُ القهقرى منكسرا ضعيفا، و نظرت إلى..


هؤلاء الثلاثة.. إنهم لا يحاولون إطفاء النار المرئية فحسب. كلا، الأمر أعمق من ذلك...


شاب رابع يرفع عقيرته "ساخطا" شاتما الناس و الوطن.. كانت النار في قلبه أعظم و أخطر من النار المرئية.. لكن الشباب الثلاثة لم ييأسوا. كانوا يغامرون بحياتهم من أجل الحفاظ على الرمق الأخير الذي يربطهم بالأرض، بالوطن.


رأيت خلف هؤلاء الثلاثة أبطالا قدامى يشجعونهم. رأيت الزرقطوني و الروداني و الراشدي.. هؤلاء الذي ضحوا بكل شيء من أجل أن تبقى هذه الأرض حرة، رأيتهم يتجسدون من جديد في شباب رفض اليأس و رفض الاستسلام إلى جحيم اليأس و جحيم الفقر و التهميش..


لا يهم كثيرا ما حدث بعد ذلك. جاء رجال المطافئ، و رأيت شخصا متفحم الجسد يحملونه كالجثة إلى سيارة الإسعاف.. لكن نظرات الناس كادت غير مبالية. يبدو أن الأمر قد تكرر كثيرا...


ثم مضينا إلى حال سبيلنا.


...


في طريق العودة إلى المنزل، مررنا على بعض الشوارع الباكية...

مررنا على شارع الراشدي..

مررنا على شارع الزرقطوني..

مررنا على شارع الروداني..


كان كل شارع حزينا. كانت الطريق خاوية على غير العادة.. لعله حدادُ هؤلاء الأبطال على وطن لم يستطع أن يحافظ على أمجادهم كما ينبغي.. و على مدينة أكلتها المادية على حساب المعاني التي قدموا أرواحهم من أجلها.


عندما عدت، شعرت بتعلق غير مسبوق بالمدينة التي كانت بالنسبة إلى من قبل : "المدينة السوداء". كلا! إنها المدينة البيضاء فعلا. حتى و إن لفتها السحب السوداء من كل مكان، فإن أرواح الأبطال الذين وضعوا أسسها ما زالت هنا. و سيأتي يوم تعود فيه هذه البقعة منارة و فخرا لكل مغربي.


عليك مني السلام يا أرض أجدادي ــــ ففيكِ طاب المقام و طاب إنشادي (×)

بقلم : سعد


(×) نشيد كان يتغنى به محمد الزرقطوني كثيرا..

Publié dans Actualités

Commenter cet article