رفيق الدرب و افتراق السرب

Publié le par httpslam

لم يكن أبدا كغيره من الشباب. كان و لا يزال مختلفا.

عرفته في مرحلة مبكرة. قبل أكثر من عشر سنوات، في مرحلة كنت أبحث فيها عن نفسي، و أكتشف خلالها الحياة بشقيها...

لم يكن عاديا أبدا. كان على صغر سنه النسبي طموحا إلى المعالي مترفعا عن التفاهات. ثم كان -قبل هذا- مبادرا إلى الخيرات بكل أنواعها. و لطالما اشترك في مشاريع للكبار و هو ابن الخامسة عشر فحسب...

لكن الفترة التي شدتني كثيرا، هي تلك الفترة التي اشتركت معه فيها في السكن، طيلة عامين كاملين. عندها أدركت أن هذا الشاب سيكون له شأن و أي شأن
!

كان مرجعا أخلاقيا و علميا في نفس الوقت. فقلما كانت تخلو غرفته -غرفتي- ممن يأتي ليسأله عن بعض المشكلات في الرياضيات أو الفيزياء. كان معروفا في تلك الفترة بالنظام الشديد في دفاتره و بحرصه على فهم الدروس كلها. و هي خصلة افتقدناها في تلك الفترة لأسباب يعلمها من مر بذلك التخصص...

ثم هو كان "المصلح" كما كان يحلو لأحد الرفاق أن يلقبه. كان المنسق الرئيس لدروس مرئية تعرض كل يوم جمعة في قاعة الإمتحانات. و المهم - و هذا ما قد لا يعرفه الكثيرون- هو الأخلاق و الفكر الذي كان يتسم بهما...

كم من الجمل العابرة التي قالها لي يوما هي مازالت في ذاكرتي.. و لطالما أسعفتني في معترك الحياة فيما بعد.

كم كانت رؤيته للحياة ناضجة
! كان يتخذ بعض القرارات التي لم أدرك صحتها -بله العمل بها- إلا بعد ذلك بسنوات. كان موفقا بحق.

ثم درسنا بعد ذلك معا لثلاث سنوات.

كانت هذه المرحلة مختلفة. افترقنا في السكن، فكانت بداية الافتراق في النظرة إلى الحياة. كنت من قبل تلميذه بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. و كنت معروفا بهذا، حتى أن مواقفي كانت بالنسبة للآخرين نسخة لمواقفه. و قد كان هذا صحيحا.

فيما بعد، قررت أن أتحرر بعض الشيء. بحثت، قرأت، غيرت الأصحاب... و لعلي وصلت إلى قناعات تخالف قناعات أستاذي...

لا يهم. فأنا أدرك تمام الإدراك أنه الأستاذ، حقا و صدقا. و أدرك أن كل ما قد أصل إليه في حياتي هو نتاج شيئين : ما بذره والدي و والدتي أولا، ثم ما بذره هذا الصاحب الكريم.


لم أقول هذا الكلام؟

لأن الطريق الفكري و الوجداني الذي انتهجته في الآونة الأخيرة -عن اقتناع- سيفضي لا محالة إلى "صراع" فكري بين الطريقين. إن عاجلا أو آجلا.

و أنا أرجو أن يكون صراعا بناءا. صراعا يثري الطرفين، لا ينقض أحدهما بالآخر.

و مهما تكن النتيجة، فإنني أقر مسبقا بأفضلية أستاذي -كشخص- على شخصي. بما لا يحد من المراحل.

فلعل هذا الإقرار -الصادق، صدقوني- يضع كل نقد أصدره في موضعه الصحيح، موضع النصيحة لمن أجل و أحترم كثيرا : أستاذي و مدرسته الذي رعته و احتضنته.

Publié dans Moi!

Commenter cet article