حاجتنا إلى محو الأمية

Publié le par httpslam

ما أكثر ما نسمع الشعار التالي : "أمة اقرأ لا تقرأ" أو ما شابه. و هي تَرِد عادة في سياق تنبيه المسلمين إلى ضرورة تعلم العلوم الحديثة و الأخذ بأسباب المدنية المعاصرة من أجل الدخول في التدافع الحضاري و و...

و هذا صحيح بلا جدال.

لكن المستقرئ للنصوص القرآنية قد يصل إلى معنى آخر للقراءة في الآية : "اقرأ بسم ربك الذي خلق". و هي التي يمكن تسميتها بقراءة "التفكر" أو "التدبر" : التفكر في الكون و التدبر في القرآن.

و لقد كنت وقعت على شرح صوفي عجيب للآية المذكورة.. كان صاحبه يزعم أن المقصود من القراءة هي قراءة آيات الكون انطلاقا من اسم الله "الظاهر"، أو كما قال.

و أعتقد أن في هذا الكلام وجاهة و عمقا، و أن هذا الفهم يمهد لفهم طبيعة الإشكال. فإننا في الحقيقة نعاني "أمية" فظيعة في قراءة آيات الكون من جهة، و في قراءة آيات القرآن من جهة أخرى. و تتجلى هذه الأمية في أننا لا نستطيع قراءة الرسائل المَكْنُونة في الأحداث من حولنا، بل و في أنفسنا. كما أننا نستمع إلى القرآن و كأن في آذاننا وقرا.

و هذه مشكلة خطيرة. و إنما تبرز لك خطورتها عندما نعقد مقارنة سريعة مع الأفلام و المسلسلات الأمريكية !

لنتأمل. ما الذي يجعل فيلما كأَفاطار يحقق هذه النسبة الهائلة من المشاهدات؟ هل لأنه يقدم جديدا؟ أم لأنه ثلاثي الأبعاد؟ أم لأنه رومانسي؟
كل هذه عوامل ممكنة. لكن السبب الحقيقي ـ في رأيي ـ يكمن في النفسية التي تم تركيبها فينا عبر عقود من التأثير الإعلامي و السينمائي.

لنشرح الأمر أكثر. لقد تم زرع نمط فكري و نفسي معين في نفوسنا منذ العهود الأولى للسينما. و صارت هنالك مواقف معينة، أو شخصيات معينة تؤثر فينا و تدفعنا لمتابعتها دون سواها.
و هذا ما فعله و يفعله أباطرة هوليود. لقد صار هَيِّنا عليهم أن يدفعوا ملايين الدولارات من أجل إخراج فيلم أو مسلسل معين، لأنهم يعلمون أن النفسية التي يحملها كل منا ـ في العالم كله ـ كفيلة بمشاهدة المنتوج السينمائي، حتى و إن أبى !! و إنَّ لي صاحبا مقربا، لا أعرف أحدا أكثر منه فهما لمخططات الأفلام و استراتيجياتها النفسية. لكنه مع ذلك سيتفرج أفاطار، حتى و هو ينتقد حبكته الدرامية الساذجة ! إنه الإدمان إذن !

و لنعد الآن إلى موضوعنا، إلى القراءة. أعتقد أن هذه المقارنة توضح الأهمية البالغة لأن يوجد بين أظهرنا "معلمون" يعلموننا القراءةَ "بسمِ الله" :

يعلموننا قراءة الكون : فنفهم الأحداث و الأنفس. و نربط الأمور ببعضها، و نعي أن الله تعالى ـ خالق كل شيء و وكيله ـ يرسل لنا في كل شيء رسالة، فهمنا مغزاها أو جهلناه، المهم أنها موجودة.. تحتاج فقط إلى من يقرؤها.

و يعلموننا قراءة القرآن بنفس المنهج : أن الله تعالى يخاطبنا مباشرة. آنذاك نبصر رسائل و كلمات لا تحد، و يصير حالنا إبان الاستماع إليه : ذرف الدموع و قشعريرة الجلود، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم.

و لعمري ! إِنْ كانت بعض الأفلام ـ من خلال التشويق و الدراما ـ تثير فينا الرعشة أو البكاء، أفليس حَرِيّا بالقرآن أن يفعل مثل ذلك و زيادة؟ حقا حقا، لقد أفسد القوم فطرتنا الإنسانية !

إن خير رد على الغزو العولمي الإعلامي هو تعليم أبنائنا "قراءة" القرآن و الكون، بالمنهج الذي ذكرناه. و إن ما يفعله بعض أهل الفضل من محاولة إنتاج أفلام "إسلامية" لّهُوَ شيء جميل، لكنه ليس في مقدمة الأولويات. إن النفوس التي تطرب للمنتوجات السينمائية الأمريكية قد تطرب لمنتوج إسلامي، لكن فقط من حيث قد يعكس القيم السينمائية الكلاسيكية كالبطولة و الرومانسية و الغموض! إن كنت تريد أن تنافس في السوق، فما عليك إلا ببطل ملتح يحب فتاة متحجبة و يموت في حبها. و اجعل الحبكة الدرامية تدور كلها حول هذا !
نعم، إنها مأساة. و حري بنا أن نكف عن التقليد. لنغير النفوس أولا، ثم لننافس ثانيا. فإن الزرع الطيب لا ينبت في الأرض الخبيثة إلا شوكا و حطبا !

ختاما، فما سبق لا يعني أنه لا فائدة من التنافس الإعلامي. كما أنه لا يعني أن السينما الأمريكية لا تأتي إلا بِشَرّ!و إنما هو تنبيه إلى ضرورة أن يوجد بيننا معلمون يعلمونا القراءةَ "بسمِ الله"، و هي القراءة الحقيقية. و آنذاك تفرج على ما شئت، ستجد نفسك تلقائيا تقطف الورود و تطرح الأشواك جانبا.

و الله أعلم

Publié dans Actualités

Commenter cet article