أرجوكم، لا تقرؤوا هذه الرسالة، و لا تطلعوا على مضمونها! فهي خطاب من النفس إلى النفس، و لا أحب أن يطلع عليه أحد سواها...
عزيزي جلال(*)،
نحن الآن في خلوة و لا يسمعنا من البشر أحد. أعتقد أن هذه فرصة لا تعوض لنتحدث قليلا... من النادر أن نتحدث سوية، هل لاحظت هذا؟ كل واحد منا له أصحاب و مشاغل، و يقضي اليوم كله في الحركة و النشاط، وفي
الكلام و الاستماع... لكننا أحدنا لا يكاد يستمع إلى صاحبه إلا قليلا قليلا! مع أننا نسكن في نفس البيت طيلة خمس و عشرين سنة!
أراك تتململ... أعرف أن هذا الأمر ثقيل عليك، لكن أرجوك، أعطني من وقتك دقيقة.. أو أقل.. لن آخذ من وقتك الكثير، فقط أعطني الفرصة لأتحدث معك..
عزيزي جلال، هل لاحظت أنك قد كبرت؟؟
صار عمرك خمسا و عشرين سنة! و البارحة فقط، كنت تلعب الكارطة (المترجم : هي لعبة الورق) مع أقاربك. لاشك أنك تجد ذلك في ذاكرتك قريبا، قريبا جدا، و ما زلت تذكر الكثير من التفاصيل.
لكن هل تعلم أن ذلك كان قبل خمسة عشر سنة؟؟!
جلال، إن الوقت يمر بسرعة! بين عشية و ضحاها ستصل الأربعين سنة. و الأربعون هي بداية النهاية في عمر الإنسان...
يا أحب الناس إلي، تدارك الموقف! حاول و لو لمرة أن تتوقف قليلا، و أن تستمع إلي. صدقني، إن كان في الوجود أحد يريد لك الخير و الخير فقط، فلن يكون غيري. فأنا هو أنت، و أنت هو أنا..
جلال،
آن الأوان لتفتح عينيك على بعض الأمور.
أولا، أنت لم تعد طفلا. سنك و عملك و أحوالك تفرض عليك أن تقر بهذا : أنت لم تعد طفلا.
لم أقول لك هذا؟ لأنك تصر ـ و بشكل لا معنى له ـ على التصرف كالأطفال! بل وعلى التفكير كالأطفال في بعض الأحيان!
لكن انظر إلى أصحابك! افتح عينيك على الحقيقة التي تحاول تجاهلها : لقد تزوجوا جميعا إلا القليل. و أنت تعلم أن الزواج هو مرحلة متقدمة من النضج. أما أنت، فما زلت تتأرجح يمنة و يسرة، و كأنك تنتظر شيئا
ما، هكذا!
ما زلت لحد الساعة عاجزا عن أن تعيش حياتك كما تريد يا جلال. أنت سجين في واقع الأمر. أسير للأوهام المريضة التي تعشش في خيالك. غير قادر على اتخاذ قرار ما، بل تنتظر من يحمل عنك الهم و يتحمل
المسؤولية. هذا ضعف و هزيمة!
على كل. سأدعك لترتاح قليلا و تهضم ما قلت. فإن أحببت أن تسمع المزيد فأنا رهن الإشارة.
أعانك الله.
ـــــ
(*)
جلال ليس اسمي الحقيقي. لم يأن الأوان لتعرفوه بعد، يا من قرأتم الرسالة رغم نهيي عن ذلك!!
Jeudi 22 octobre 2009
0
-
Recommander
أخي العزيز،
مرت فترة لا بأس بها منذ كتبت آخر مقال لي. و إنك لتتساءل عن السبب وراء ذلك : هل هو تَكَبُّر عن الآخرين، أم
انشغال بالفكر و التفكر، أم شيء آخر؟
للأسف، فالأمر غير ذلك. و إني و إن كنت أشكر لك ظنك الحسن تجاهي، فإن الحقيقةَ غيرُ ما تظن.
كلا. إن السبب الرئيس وراء غيابي الطويل هو انشغالي بالدنيا و همومها، و من ثم انقطاع الواردات عني.
هذه حقيقة. لقد صارت أناملي عاجزة عن تسطير كلام يصل إلى القلب... ببساطة لأن لا شيء يصل إليها من القلب. هذا القلب، الذي كان في ما مضى مستودع الفكر و معقل جيوش التدبر، صار اليوم كالكوخ الخرب، تدب
فيه الحشرات و الصراصير و تركن إليه العناكب و الخفافيش. و كيف لا؟ و قد هبت عليه عواصفُ جليدية مدمرة، أحالت أركانَه إلى خراب، و دمرت نوافذَه و أبوابَه فما بقي من أحد يسكنه إلا الهوام؟
نعم. لقد تحطمت المدفئة، فهب البرد القارس شديدا فلم يَبْقَ بعدُ مكانا للسكن. فأنى لقلب هذا شأنه أن يولد الحرارة؟ بل كيف له أن يستقبل الواردات من المَلَكِ و قد تحطم جهاز الاستقبال جَرَّاءَ الثلوج
المنهمرة؟
لقد تعرض قلبي ـ يا أخي العزيز ـ إلى إعصار شديد. و هذا الإعصار مَرَدُّه إلى الإقبال على الدنيا و شؤونها التافهة. لقد غرقت في متاعب العمل و طموحات التَرَقِيات، و زُيِّنَ لي الانهماك فيه عسى أن أصل
إلى درجات الصديقين. أو ليس العمل عبادة؟؟! فإن انضاف إلى هذا فتور في العبادات و انفصام لِعُرَى الأُخُوَّاتِ، سَهُل على النفس الغرقُ في هذا المستنقع الآسن.
هذه هي حالي يا أخي. و إني إذ أكتب اليوم، فإني أحاول قدر المستطاع أن أُحْيِيَ هَدْيا طال غيابه، عسى أن تنبُعَ من شرارته بداية جديدة أَحْيَى بها من جديد.
أعانك الله
Jeudi 22 octobre 2009
0
-
Recommander
لم يكن أبدا كغيره من الشباب. كان و لا يزال مختلفا.
عرفته في مرحلة مبكرة. قبل أكثر من عشر سنوات، في مرحلة كنت أبحث فيها عن نفسي، و أكتشف خلالها الحياة بشقيها...
لم يكن عاديا أبدا. كان على صغر سنه النسبي طموحا إلى المعالي مترفعا عن التفاهات. ثم كان -قبل هذا- مبادرا إلى الخيرات بكل أنواعها. و لطالما اشترك في مشاريع للكبار و هو ابن الخامسة عشر فحسب...
لكن الفترة التي شدتني كثيرا، هي تلك الفترة التي اشتركت معه فيها في السكن، طيلة عامين كاملين. عندها أدركت أن هذا الشاب سيكون له شأن و أي شأن!
كان مرجعا أخلاقيا و علميا في نفس الوقت. فقلما كانت تخلو غرفته -غرفتي- ممن يأتي ليسأله عن بعض المشكلات في الرياضيات أو الفيزياء. كان معروفا في تلك الفترة بالنظام الشديد في دفاتره و بحرصه على فهم
الدروس كلها. و هي خصلة افتقدناها في تلك الفترة لأسباب يعلمها من مر بذلك التخصص...
ثم هو كان "المصلح" كما كان يحلو لأحد الرفاق أن يلقبه. كان المنسق الرئيس لدروس مرئية تعرض كل يوم جمعة في قاعة الإمتحانات. و المهم - و هذا ما قد لا يعرفه الكثيرون- هو الأخلاق و الفكر الذي كان يتسم
بهما...
كم من الجمل العابرة التي قالها لي يوما هي مازالت في ذاكرتي.. و لطالما أسعفتني في معترك الحياة فيما بعد.
كم كانت رؤيته للحياة ناضجة! كان يتخذ
بعض القرارات التي لم أدرك صحتها -بله العمل بها- إلا بعد ذلك بسنوات. كان موفقا بحق.
ثم درسنا بعد ذلك معا لثلاث سنوات.
كانت هذه المرحلة مختلفة. افترقنا في السكن، فكانت بداية الافتراق في النظرة إلى الحياة. كنت من قبل تلميذه بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. و كنت معروفا بهذا، حتى أن مواقفي كانت بالنسبة للآخرين نسخة
لمواقفه. و قد كان هذا صحيحا.
فيما بعد، قررت أن أتحرر بعض الشيء. بحثت، قرأت، غيرت الأصحاب... و لعلي وصلت إلى قناعات تخالف قناعات أستاذي...
لا يهم. فأنا أدرك تمام الإدراك أنه الأستاذ، حقا و صدقا. و أدرك أن كل ما قد أصل إليه في حياتي هو نتاج شيئين : ما بذره والدي و والدتي أولا، ثم ما بذره هذا الصاحب الكريم.
لم أقول هذا الكلام؟
لأن الطريق الفكري و الوجداني الذي انتهجته في الآونة الأخيرة -عن اقتناع- سيفضي لا محالة إلى "صراع" فكري بين الطريقين. إن عاجلا أو آجلا.
و أنا أرجو أن يكون صراعا بناءا. صراعا يثري الطرفين، لا ينقض أحدهما بالآخر.
و مهما تكن النتيجة، فإنني أقر مسبقا بأفضلية أستاذي -كشخص- على شخصي. بما لا يحد من المراحل.
فلعل هذا الإقرار -الصادق، صدقوني- يضع كل نقد أصدره في موضعه الصحيح، موضع النصيحة لمن أجل و أحترم كثيرا : أستاذي و مدرسته الذي رعته و احتضنته.
Dimanche 3 mai 2009
0
-
Recommander
حدثني بعض أصدقائي قبل سنتين عن زيارة قاموا بها لأحد العلماء المشهورين في المغرب. و كنت من قبل أضع الرجل في خانة المتصوفة الكبار، حتى إذا تحدثوا عن آرائه التي
قالها وجدت عندئذ صعوبة في إدماجها في هذه الخانة. فقد كانت النزعة السلفية بادية للمستمع، و هذا ما جعلني أقول كلمة لا أنساها :
"الرجل سلفي ذو نكهة صوفية"
مر الزمن. و تابعت المسير في طريقي الروحاني البحت. لكنني لم أشعر قط بأنني على الهدى التام. كنت أحس أن الطريق سليمة، لكنني كنت أتعثر بسرعة و لا أستطيع الاستمرار طويلا في نفس الخط. و لطالما تساءلت :
أين الخلل؟ لكني لا أجد الجواب إلا في مزيد من التوغل في الطريق الروحاني و من جهة أخرى. ثم أقع، و أدخل بابا آخر، و هكذا...
صحيح، كنت من حين لآخر أرجع لطريق القرآن. بل و كان طريقي الروحاني في أغلب أحواله مقيدا بنصوص الكتاب و إشاراته. وقد كانت هذه "القرآنية" من بركات توجيهات العالم المذكور. لكن مع ذلك لم أستطع أن أحقق
شيئا يذكر. شيئا ما كان ينقصني... حتى...
حتى كانت بعض الأحداث الأخيرة. أو قل حدث واحد. و هو في نظر الكثيرين تافه و عاد، لكنه كان سببا هاما في إيقاظ بصيرتي و تنبيهها إلى أمر بالغ الأهمية : السنة النبوية.
ما حظي من السنة النبوية؟ هل أصلي كما كان يصلي صلى الله عليه و سلم؟ هل خلقي كخلقه؟
الواقع يقول بعكس هذا كله. فخلقي سيء جدا. و سلوكي سلوك شاب عابث. أما صلاتي فصلاة أهل الأهواء...
ثم إن باعي في العلم الشرعي ضعيف. و أغلب قراءاتي هي من قبيل الفكر الإسلامي أو الصوفي. أما كتب الفقه فليست من شأني..
قلت إن حدثا ما نبهني لهذه الحقيقة. و أعتذر لعدم إدراجه لأنه يمس خصوصية الشخص المعني به. ثم إنه بالنسبة إلي صفحة قد طويت بشكل نهائي، و لن تفتح إلا في الجنة إن شاء الله لا حرمنا الله منها.
لكن المقصود منه هو أن بإمكان المتبع للسنة أن يصل إلى منازل إيمانية عالية لا يصلها المتعبد أو الروحاني. بل على التحقيق فلا يمكن الوصول إلى تلك المراتب إلا عبر مدارج الاتباع للهدي النبوي.
كان هذا سببا لأتذكر نصائح المتصوفة الأوائل، كالجنيد و البسطامي و الداراني، و المتأخرين كالنورسي. كيف نبهوا إلى أن أمرهم ذلك مشيد بالكتاب و السنة. وكيف كانوا يركزون على العمل و على الاتباع و
يحذرون من العلم المجرد و من اتباع الهوى. ثم كيف كانوا لا يتهاونون مع أدب من آداب النبوة، فكيف بسنة من سننه.
ظهر لي هذا الآن. و أدركت كم أضعت من جهد, و كم بنيت على بحر. ثم تنبهت إلى صدق المقالة السالفة الذكر : "سلفي بنكهة صوفية". لأن الأصل هو الاتباع، و الغاية هي تزكية النفس. و من عكس الأصل و
الغاية فقد ضل السبيل.
نسأل الله أن يهدينا و أن يثبتنا، و أن يرزقنا اكتشاف الثمرات الروحية للآداب النبوية.
ملحوظة : هذا هو المقال رقم 100 في هذه المدونة. و هو يوافق سنتين على تأسيسها و سنة على إعادة صياغتها. و لا أدري، لعلي أكتفي بهذا القدر من الكلام. و لعله يكون آخر عهدي بكم أيها القراء الأوفياء. و
على كل حال، فلا تنسونا من دعائكم
و السلام عليكم.
Dimanche 29 mars 2009
0
-
Recommander
Commentaires