الفارس الأخير : رسائل النور و ظلال القرآن

Publié le par httpslam

كنت تحدثت فيما مضى عن مقارنة شاعرية بين رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي و بين ظلال القرآن للسيد قطب :

بين رسائل النور و ظلال القرآن

و أظنني كنت قاسيا بعض الشيء يومها. أما اليوم فإنني أعقد مقارنة من نوع جديد، مقارنة تظهر بعضا من جوانب التشابه بين المصلحين العظيمين.


المقابلة اللفظية :
أحدهما سمى مؤلفه نورا. و الآخر سماه ظلالا. و هذا من التوافق العجيب : حيث نظر أحدهما إلى نور القرآن الكريم، بين لفت الآخر الانتباه إلى ظلال الاستراحة في حديقة القرآن


العزلة :
كتبت الظلال أو أغلبها في السجن. و كتبت رسائل النور أو أغلبها في المنفى. فكأن العزلة ضرورية لكي يعطي القرآن عطاءه الفريد للمقبل عليه


الإقبال على القرآن و الإعراض عما سواه :
ما لقب النورسي ببديع الزمان إلا لاشتغاله الكبير بالعلوم الدينية و الدنيوية. و ما ذاع صيته في بداية الأمر إلا لاشتغاله المتواصل بالسياسة أيام هرم الدولة العثمانية. و في نفس الوقت، نجد في سيد قطب ذلك المفكر الموسوعي الذي لم يترك جانبا من العلم أو الأدب إلا و نهل منه، بل و أعطى فيه.
و ما الذي حدث فيما بعد؟ انقلب سعيد النورسي "سعيدا جديدا" كما يحلو له أن يعبر. صار كل همه و شغله أن يتدبر القرآن، و لا شيء سواه. و كذلك فعل سيد قطب : أقبل على القرآن وحده ففتح الله عليه فتحا مبينا. و ما عليك إلا أن تطلع على "المعالم" لترى الوصف القرآني الذي أعطاه لجيل الصحابة.


المذهب :
كان النورسي صوفي المشرب و المذهب، و إن كان قد تجاوز ظواهر التصوف بشكل كبير. فكانت التفاتاته القرآنية روحانية و تربوية قبل كل شيء. وصار الرجل قدوة لكثير من التوجهات التربوية في عصرنا.
أما سيد قطب، فقد كانت النزعة الجهادية حاضرة في قراءته للقرآن. و هذا ما جعل تفسيره قويا و مرسخا لاستعلاء المسلم على من سواه. وقد أتى من بعده أقوام لم يلتفتوا إلى مفاصل الكلمات، ففهموا من كلامه التكفير و هو عن ذلك بعيد.
ما يعنينا أن كلا الرجلين كان يمثل بشخصه تيارا و مذهبا كاملا. ثم أخذت الحركة الإسلامية المعاصرة بعد ذلك شيئا من هذا و شيئا من الآخر. فكان عطاؤها في المجمل حسنا.


خلاصة :
آن الأوان أن يظهر أخيرا من يجمع بين الرجلين، أي يجمع بين التزكية و بين القوة. لقد ظلت الحركة الإسلامية مذبذبة لا إلى هذا و لا إلى ذاك فأضاعت على نفسها و على غيرها خيرا كثيرا. و اليوم قد آن الأوان لأن يأتي أفراد أو جيل يرجع إلى ذلك الأصل الذي جعل من الرجلين ما وصلا إليه، ألا و هو القرأن العظيم.

نحتاج اليوم من يقبل على القرآن و يعرض -من جهة التلقي- عما سواه. نحتاج لمن يعتزل الناس -شعوريا- ليتفرغ لتغيير مفاهيمه على وزان القرآن. و هذا الفارس المنشود لن يكون إلا رجلا -أو امرأة- يأخذ القرآن بقوة.

فهل آن زمان ظهور الفارس الأخير؟

Publié dans Réflexions

Commenter cet article