الدعوة القرآنية بين القابلية و الفاعلية

Publié le par httpslam

ربما يكون من المناسب أن نبدأ حديثنا هذا بشرح وجيز للمصطلحات التي يتشدق بها ذلكم العنوان...

"الدعوة" :
و أقصد بها الحركية الفطرية التي تهدف إلى نشر الخير و الدين بين الناس. و الدعوة معنى أشمل و أعم من الحركة - لمزيد من التفاصيل راجع كتب الأستاذ فريد الأنصاري.


"القرآنية" :
 فهذه الدعوة المنشودة إنما تتحرك في المجتمع بالقرآن.
 به منطلقا...
 به وسيلة...
 و به غاية.
 فتكون "الدعوة القرآنية" إذن ذلك المشروع الإصلاحي الذي يروم معالجة آفات المجتمع عن طريق صناعة أفراد يدعون إلى القرآن و به يدعون. أفراد كالكبريت الأحمر، يندر وجودهم و يصعب استخراجهم. لكن القرآن يفعل ذلك.

فكيف يفعله؟


" القابلية" :
 و المقصود بها تكوين قابلية الدعوة القرآنية لدى المسلم. أي أن تتكون لديه ملكة الدعوة بالقرآن و إليه. و خير وسيلة لتكوين هذه الملكة هي "مجالس القرآن". فمجالس القرآن -من حيث هي مدارسات فطرية لآيات القرآن- تشكل بشكل تلقائي نموذجا فكريا فريدا يبصر النفس و الآفاق من خلال منظار القرآن. و الذي يواظب على مجالس القرآن هو يواظب في الواقع على الحضور إلى مدرسة و لا ككل المدارس. مدرسة تجمع بين الروح و العقل، و بين النظام و بين الفطرة، و بين الفرد و الجماعة، و بين المذهب و نقيضه.

مدرسة عجيبة. ينال فيها التلميذ قسطا وافرا من الحكمة. يتلقى آية أو آيتين... فيشعر بأنه قد أمسك بالحقيقة المطلقة، وأن العالم قد أصبح بين يديه...

 لكن المشكلة تطرح عندئذ : كيف يطبق ما عمل؟ كيف يبلغ رسالات النور الذي تلقاه؟
 مشكلة. لأن الآية التي تلقاها لا تناسب بالضرورة مشاكله أو مشاكل محيطه في الوقت الراهن...

 هنا يتجلى الشطر الثاني في الدعوة القرآنية، و هو :


" الفاعلية" :
و أقصد بهذا المصطلح القدرة على استحضار النص المناسب في الحادثة المناسبة.

لنشرح هذا بمثال :
يحاول مسلم ما أن يصلح عيوبه و يجاهد نفسه الأمارة. لكنه يقع و يخفق في كل مرة. و يحاول من جديد، و من طريق جديد، لكنه يخفق.
و في غمرة اليأس الذي يعتريه، يدعو ربه أن يريه سواء السبيل. بتضرع و إخلاص.
فيمن الكريم سبحانه على العبد الفقير. فيبصره بآية كان يمر عليها من قبل دون أن يراها.
"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه"

تلوح الآية في مخيلته، و تقع في قلبه. هنالك يدرك داءه، ثم يدرك دواءه. يدرك أنه لا مناص من الصحبة الصالحة لكي يصل إلى الهدف.
قد يقول قائل : يا حبيبي. هذا كلام خيالي. لم يقع لي قط هذا "الإلهام"، مجرد وهم.

و هذا الاعتراض في محله. لأن المعترض -بكل بساطة- لا يملك القابلية المذكورة في الفقرة السابقة. فهو لا يحضر مجالس قرآن، و لا يتعب نفسه بتدبر الآيات، فأنى له الفاعلية؟؟

إذن فلا فاعلية دون قابلية. و حيث إن الفاعلية هي الركن الأساس للدعوة القرآنية, فتظهر إذن الأهمية البالغة لمجالس القرآن بالنسبة إلى من يريد المشاركة في هذا المشروع الإصلاحي التجديدي.

و من أراد التعرف على ماهية مجالس القرآن و كيفية عقدها، فكتاب "مجالس القرآن" للأستاذ فريد الأنصاري يغني عما سواه.

و الصلاة و السلام على خير الأنام

Publié dans Réflexions

Commenter cet article