قبل يومين كنت في مجلس في حضرة شيخ جليل في مدينة البيضاء. و هو مجلس أسبوعي يعقده هذا الرجل المتنور الذي جمع علم الدين (القرآن) و علم الدنيا (الهندسة). مجلس للعموم هو، لكنه يسمو بعقولنا و أرواحنا بعيدا، بعيدا…
كان موضوع الحديث حول المسيحية. و على خلاف المعتاد، كان خطابه لاذعا في نقد تاريخها و أسسها. صحيح، كل استشهاداته كانت في محلها، لكن هل يفهم عموم الناس هذا؟ أليس أليق، في هذا الظرف العالمي الحساس المنذر بتحولات مهولة لا تبقي و لا تذر، أن ينأى المرء بنفسه عن إشعال فتيل النار، و لو من بعيد؟
أكد الشيخ مرتين على الأقل أن المقصود هو الشفقة على القوم و ليس التشفي فيهم. لكن العيون المتحمسة و الأفواه المقهقهة كانت تقول العكس. للأسف، العامة هم العامة.
تذاكرت هذا الموضوع بعد الخروج من المجلس مع أحد الرفاق. و انتبهنا عندها لحقيقة مروعة : كم يشعل الناس من النيران و هم لا يدرون.
ترى ما هو حال المسلمين في دول إسلامية نائية، تغلي بحب الدين، يترأسهم أشباه علماء لا يعرفون عن الدةيا إلا التاريخ و يلقون الكلام على عواهله أن حي على الجهاد؟؟
المسلمون يتعرضون للظلم الشديد، لا ريب. و بدل أن يعملوا على بناء أنفسهم بشكل موافق لمنهج القرآن و سيرة النبي صلى الله عليه و سلم، نسمع هنا و هناك من يدعو إلى الويل و الثبور و إشعال القبور، و إلقاء السهام و الخروج على الحكام و بناء دولة الأحلام… كل هذا و الناس عطشى لهذا الكلام، فكأنما سقط عود الكبريت على العشب…
ويحهم. ما هذا الغباء؟ ما هذا القصور في النظر؟؟ أما يكفينا ما دفع الإسلام من ثمن نتيجة هذه الفتاوى الخرقاء و النظريات الحمقاء؟؟
أما آن لهؤلاء القوم أن يفتحوا عقولهم قليلا… أم أن على قلوب أقفالها؟؟ بلى.
بل هي النفوس المريضة التي لم تذق و لو رشفة من معاني حب الله و الإنابة إليه. هي النفوس التي أظلمت بمعاصي الرياء و حب الظهور.
لا أظن عارفا بالله يحمل سلاحه في وجه إخوانه. و لا أخال عارفا حقا يكسر وحدة الجماعة و لو ضد عدو أجنبي. و كيف يفعل و هو يسمع الوعيد القرآني و النبوي في ذلك؟
فذلك بحق الإحساس الذي ينتاب الغافلين. أتدري أي إحساس هو؟ أن يظن المرء أن بقدرته أن يغير من الأمر شيئا.و كيف و الأمر كله بيده الله، يفعل ما يشاء في ملكه؟
أما العارف فيعلم أن لا سبيل إلى منازعة القدر إلا بوسيلة يرضاها مقدر القدر. و لو كانت ضحلة النتيجة بطيئة التنفيد. و لو كان غيرها من الطرق أحب إلى النفس و أكثر استعراضية...
طوبى لمن أدرك هذا. و أما من ساهم في نشر الفكر "الذبابي" في المنتديات و غيرها... فأولئك هم المرضى حقا.
كالذباب هم. أينما لاح لهم ظل هفوة سارعوا إلى نشرها. و ما إن يسمعوا لرأي المخالف حتى يردوه و إن كان يحتمل التأويل.
و بينما ترى المؤمن العارف كالنحلة، يحمل الخير من وردة إلى وردة ناشرا رحيقها في الإنسانية جمعاء، تجد الذبابيين يحومون حول الفضلات، ناقلين جراثيم الفتن و الفرقة أينما حلوا و ارتحلوا.
فعسى أن تمل الذبابة يوما من وظيفتها النجسة، فتسلك سبيل أختها النحلة. و ما ذلك على الله بعزيز.
| Décembre 2009 | ||||||||||
| L | M | M | J | V | S | D | ||||
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |||||
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | ||||
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | ||||
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | ||||
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||||||
|
||||||||||
Commentaires