الفتوحات العثمانية

Publié le par httpslam

نشهد مع بداية القرن الحادي و العشرين نفوذا تركيا متزاديا ليس فقط في البلاد العربية، بل و ليس في البلاد الإسلامية فقط، و لكن أيضا في البلاد التي كانت تابعة لسلطة الخلافة العثمانية سابقا. و سأتجرأ قليلا و أسميه "فتحا"، لأنه يقدم في أغلب الأحيان بديلا أحسن مما هو موجود حاليا.


المجال السياسي :

بزغ نجم حزب العدالة و التنمية التركي بشكل لافت في السنوات الأخيرة، من حيث استطاع إلى حد كبير النهوض بتركيا في شتى النواحي –و خاصة السياسية و الاقتصادية- مع الحفاظ على هوية الشعب التركي المحافظة. و بالنظر إلى حجم الإكراهات الداخلية و الخارجية فإنه يبدو حجم الإنجاز الذي حققوه و لا زالوا يحققونه. فعلى الصعيد السياسي مثلا : صار اسم تركيا مرتبطا بالوساطات بين الأطراف المتنازعة على أساس العدل. كما استطاعت إخماد جذوة الخلافات السياسية مع بعض جيرانها و لو إلى حين. فأحيت تركيا بهذا صورة كادت تنطمس لدينا عن الدولة التي تقدم الحق على القوة. فصارت النخب في البلاد العربية – علمانية كانت أو إسلامية - تسعى أن تحذو حذوها في تحقيق الإصلاحات السياسية المنشودة.

ويتبين لي أنه مما ساعد على كل هذا هو ما يبدو أنه توافق بين الحزب الحاكم و بين الجيش من أجل تحقيق حلم "تركيا الكبرى" (و قد استخدم أردوغان المصطلح بعد عودته ظافرا من منتدى دافوس). فكلا الطرفين، على الاختلافات الإيديولوجية بينهما، يصبو من الناحية السياسية البحتة إلى نفس الهدف. و هذا يفسر سرعة التحركات التركية كما لاحظنا ذلك في هجماتها على شمال العراق أو في وساطاتها الأخيرة أثناء الحرب على غزة.


المجال التربوي :

و بطل هذا الفصل هو بلا منازع الداعية الرباني "فتح الله كولن". و قد استطاعت مدارسه أن تبرز في الساحة العالمية كنموذج يقتذى به من حيث إخراج جيل واسع الفكر محب للخير للناس. و لإن كانت هذه المدارس لم تتنتشر كثيرا في البلاد العربية (باستثناء المغرب) فإنها بالمقابل انتشرت بشكل كبير في دول جنوب شرق آسيا – تلك التي كانت تشكل العناصر الرئيسية للحكم العثماني. و قد لمح كثير من المسؤولين العلمانيين فيما مضى إلى دعمهم لمدارس كولن لأنها تحسن صورة تركيا الخارجية بشكل كبير.


المجال الفني :

و من منا يجهل "سنوات الضياع" و "مهند و نور"؟ فهي أوضح أنواع الاختراق في البلاد العربية. و أرى أن أبرز أثر لهذا الانتشار هو الصورة التي كونها عامة الناس عن تركيا و إسطنبول من أنها جنة الله في الأرض، و حتى صار الذهاب إليها حلما للعام و الخاص.

كما أن الأغاني التركية الصامتة قد أثبتت نفسها على الصعيد العربي بشكل لا مراء فيه.


المجال الفكري و الديني :

كنا أيام الصبا نتابع على قناتنا الأولى المظفرة برامج وثائقية عن الطبيعة تختتم بخلاصة دينية من نحو "من خلق كل هذا؟ الله جل جلاله هو خالق كل شيء". و لما استوى عودنا علمنا أنها تعود للكاتب و المفكر التركي عدنان أوكتار المعروف بهارون يحيى. و قد استطاع هذا الباحث الشاب أن ينشر مؤلفاته على صعيد العالم كله – وما تحديه للعلماء الفرنسيين إلا غيض من فيض.

و قد حدثني من أثق به أنه قد توصل برسالة إلكترونية من فريق هارون يحيى تدعو إلى الوحدة الإسلامية على أساس "الإسلام التركي". و العجيب أن هذا المصطلح يستعمله الداعية "كولن" بشكل كبير، حيث يبين أن الحل لمشاكل البشرية هو نشر هذا الفهم للدين الإسلامي. و هو فهم يجذ جذوره في البيئة الصوفية التي أمدت الخلافة العثمانية طيلة الوقت. مرورا بجلال الدين الرومي وصولا إلى بديع الزمان سعيد النورسي. و لإن بدأ هنالك نوع من الإجماع على أن النورسي هو أحد مجددي القرن الماضي (مع حسن البنا و الآخرين) فإنني أرى أن سيكون مجدد القرن الحالي أيضا. فإن تأثيره في القرن الماضي كان محصورا في تركيا، حيث أرسى قواعد "الإسلام التركي"، فكان من نتائجه الحركة النورية التي تولى زعامتها كولن فيما بعد و هذه الطغمة الشابة التي تحكم البلاد. أما الآن فإن العلماء بدأوا يتأثرون به بشكل كبير. و أذكر على سبيل المثال الدكتور فريد الأنصاري من المغرب و الدكتور سعيد رمضان البوطي من سوريا، و هما غنيان عن التعريف.

و خلاصة القول هنا هو أن النورسي هو العصب المحرك لكل هذه "الفتوحات" القادمة (استثنن منها المسلسلات بالطبع). فمهما غاب عنا هذا البعد الديني فلن نفهم جيدا التحركات التركية في الفترة القادمة.


خلاصة : فما العمل؟

هل نستسلم لهذا الفتح العثماني القادم؟ أليس خيرا مما نحن فيه؟ أليس يبشر بعهود من السلم العالمي و التمكين للإسلام؟


ربما. لكني أود أن ألفت النظر إلى قاسم مشترك يجمع بين تركيا و المغرب. فالبلدان – من بين الدول الإسلامية الأخرى – صوفيان بامتياز. و البلدان تميزا تاريخيا بالسطوة السياسية و التوسع المتكرر. فتركيا مثلا دخلت أوربا و سيطرت على أغلب البلدان الإسلامية… لكنها وقفت على حدود المغرب. و هذا الأخير دخل أوربا أيضا و تغلل في الصحراء جنوبا و كان في أغلب الأحيان مسيطرا على الجزائر و تونس. فإن كان الناس يقولون الآن ، و هم على حق، أن الشعب التركي شعب مميز و عظيم و سيكون له شأن، فإن هذا الكلام يصدق على المغاربة أيضا مهما بدا من مظاهر الميوعة. فالفرق بين البلدين في نظري يكمن في نقطة واحدة لا غير : عمق الانتماء التاريخي. فالتركي يحفظ تاريخه المجيد عن ظهر قلب. و عندما يتحدث أردوغان بعد عودته من دافوس فإنه يستشهد بأحد الشعراء العثمانيين. و عندما يتكلم كولن فالأمر كذلك. و النورسي سمى كتابه الأول "المثنوي العربي" إسوة "بالمثنوي الفارسي" لجلال الدين الرومي. فانظر حجم هذا الارتباط بالتاريخ العثماني، ثم قسه بارتباط المغاربة بتاريخهم. ترى ماذا نعرف عن الأدارسة و المرابطين و الموحدين و المرينيين و العلويين؟ نتحدث عن صلاح الدين و نور الدين، لكننا لا نعرف شيئا عن ابن تاشفين و يعقوب المنصور. ترى ماذا نعرف عن الزرقطوني سوى أنه شارع في البيضاء؟ و أذكر هنا كيف كان قسم التاريخ المغربي المعاصر في معرض الكتاب الدولي السنة الماضية مقفرا بشكل فظيع في الوقت التي كانت الأقسام الدينية الشرقية أو الغربية المفرنسة رائجة بشكل كبير. هذه كارثة بكل المقاييس. نحن مصابون بفقدان للذاكرة, و كما يصنعون في الأفلام، فربما نحتاج للتعرض لهزة ما حتى نستيقظ.


توضيح أخير : ليست هذه دعوة للعصبية القومية. و ليس هذا انفصالا عن تاريخ الأمة. لكنه دعوة للخصوصية : فلا يمكن أن أصنع أي إصلاح في المغرب إن كنت أفكر بعقلية سعودية أو مصرية. هذا كل ما في الأمر.


عسى الله أن يوفق مسؤولينا لإحياء تراثنا المفقود حتى ننشئ جيلا يبني مغرب الغد على أسس سليمة و ينشر الخير و السلام في البشرية جمعاء.




Publié dans Actualités

Commenter cet article