بين الغزالي و ابن القيم

Publié le par httpslam

أبو حامد الغزالي و ابن قيم الجوزية... من أشهر من تحدث في علم السلوك إلى الله... أو ما يصطلح عليه بالتصوف.

اسمان عظيمان, خاصة إن قرنت بابن القيم أستاذه ابن تيمية... تجد نفسك عندئذ أمام مدرستين متكاملتين.

مدرسة حجة الإسلام الغزالي, و هي التي وضعت أغلب التقعيدات النظرية للتصوف من قبله.
و مدرسة ابن تيمية و ابن القيم النقدية, التي غربلت التصوف و طهرته - و طهرت منه- طامات الحلول و الاتحاد.

فما الذي يميز كل مدرسة عن الأخرى؟

و قبل ذلك, تسأل لا شك : و ما فائدة أن أعرف خصائص هذه المدارس؟

الجواب : لأن المدرستين قد تجسدتا من جديد في عصرنا, و قام بإحيائهما جماعة من أئمة السلوك... سنذكرهم بعد حين.

أما الآن فلنضع بعض الخصائص التي استقرأتهامن كتب الإمامين الغزالي و ابن القيم. و أنبه إلى أنها اجتهادات شخصية لا أقصد بها أبدا التنقيص من شأن الإمامين. فإن أخطأت فليصحح لي أحدكم جزاه الله خيرا.

مخالفة الهوى :
يتفق القوم على أنه لا وصول إلى منازل القرب من الله تعالى إلا بعد التغلب على النفس - أي تزكيتها. لكن الملاحظ لكتابات الشيخين يلمس بعض الفارق في الطريقة التي يصل بها المريد إلى ذلك. فالغزالي يؤمن -على ما يبدو- بأنه حتى تصل إلى نقطة التوازن عليك أن تغلو في الدفع في الاتجاه المعاكس.
ما هذا الكلام؟ لنأخذ مثالا : شخص ثرثار يريد أن يملك لسانه. فما هي الطريقة المثلى؟ أن يصمت, و يصمت... ثم يصمت. لا يتكلم إلا لضرورة قصوى. حتى إذا اعتاد على الصمت, و يكون آنذاك قد قهر هواه, أمكنه أن يتجه إلى التوازن باقتدار, و هو الكلام عن علم و الصمت عن علم.
مثال آخر : أنا متكبر و أحب الجاه. ماذا أفعل إذن؟ سهل. قم بأعمال تذل نفسك و تحط من قدرها. حتى إذا سكن الكبر استطعت أن تعود إلى نقطة الوسط.
أشبه هذه الطريقة الغزالية بالسيناريو التالي : شخص يغرق, فكيف تنقذه؟ بما أن الأصل فيه هو أنه "سيغرق', فعليك أن ترفعه عاليا جدا فوق مستوى سطح البحر -تحسبا لرد فعل مجنون من لدنه. حتى إذا ضمنت إخراجه من الماء عدت به إلى السطح و قمت بإنقاذ عقلاني.

كما ترى فإن الأمر علمي جدا. و إصلاح النفس بهذه الطريقة يرجع إلى مراحل دراسية يقطعها السالك كما بينت من قبل. تغلب على غضبك, ثم على كبرك, ثم على شهوتك, ثم... حتى يتطهر قلبك.

أما منهج ابن القيم السلفي, فلا يؤمن كثيرا بهذه التخطيطات -على ما أرى. بل يدور مع الكتاب و السنة : فدرجة سلوكك لا تقدر بمدى تطهر أخلاقك بقدر ما تقدر بشدة المواقف التي تغلب فيها مراد الله على مرادك. و كأنه يرى أن هنالك طريقا مختصرا يعفيك من تلك المجاهدات الغزالية المضنية, ألا وهو إيثار الله على النفس.
بطبيعة الحال, الغزالي أيضا يدعو إلى هذا الإيثار, لكن بشكل ضعيف. أما ابن القيم المتأثر كثيرا بشيخه ابن تيمية -الذي سجن و ابتلي بسبب أرائه- فيرى أن الابتلاء هو أعلى مراتب السلوك -على ما أرى.

إذن : هي مدرسة فطرية, سلفية, تجعل السالك منذ البداية أمام خيار واضح في كل ابتلاء. أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا؟ إذن فاستجب بسرعة. هي الحنبلية.

أما الغزالي, الأشعري, فعقليته التركيبية لا ترضى إلا بنظام علمي صارم. فيكون الخيار يوم الابتلاء على ذلك الأساس كذلك.

حنبلية من جهة, و أشعرية صوفية من جهة أخرى. خلاف تاريخي مرير بين فئتين كلاهما على الحق.

كان ابن تيمية يحترم الغزالي كثيرا. لكن أتباع الشيخين على مدى العصور تطاحنا و تنابزا بالألقاب.

حتى كان وقتنا الحالي....

نعم, هناك خلف كثير لمدرسة ابن تيمية و ابن القيم. و أرى أن أبرز ممثل لها هو محمد حسين يعقوب.

و هناك خلف كثير للغزالي. و أشهر ممثل لذلك هو الحبيب علي الجفري.

أما حسين يعقوب فشأنه واضح. أليس منذ عقود يشرح مدارج السالكين لإبن القيم؟
و أما الجفري, فهو يقر بأن أغلب أفكاره مستوحاة من كتب الغزالي و بالأخص من كتابه إحياء علوم الدين.
رجلان عظيمان هما. نعم الخلف للسلف. لكن أتباعهما في حرب شعواء, خاصة عبر صفحات الإنترنت.

عجيب. مستحيل أن يكون هؤلاء المتنابزون بالألقاب من تلامذتهما. كيف يكون السالك إلى الله فظا إلى هذا الحد؟

كلا, هذا لا يكون. التحاب و الشفقة على الخلق هي ثمرة السلوك. و هؤلاء لا حظ لهم من ذلك. إنما هي نعرات الخلاف السابق الحنبلي-الأشعري المجنون, لا غير.

أما حسين يعقوب و الجفري, فأحسبهما يريدان إصلاح هذا الوضح. لكن الظرف غير موات على ما يبدو..

Publié dans Actualités

Commenter cet article