بين القصص الخيالي و القصص القرآني

Publié le par httpslam

بين القصص الخيالي و القصص القرآني

 

 

 

سأحاول في هذا المقال سرد بعض الفروقات الجوهرية بين القصص الواردة في القرآن من جهة, و بين القصص البشرية التي ينتجها الخيال ثم يصوغها على شكل رواية أو فيلم أو شكل آخر. و لكن أنبه أولا إلى أنه لا مجال أصلا لمقارنة الإبداع البشري بالوحي الإلهي, و إنما الغرض الأساسي هو وضع صياغة علمية لبعض الأحاسيس التي قد تنتابنا أثناء هذه القصة أو تلك..

 

مثالان للمقارنة :

سنعتمد على قصة يوسف كنموذج للقصة القرآنية نظرا لكونها جامعة مانعة...

أما القصة البشرية المعتمدة فهي, و أعتذر بشدة, رواية "صاحب الظل الطويل". و يعلم من هم في مثل سني أو أكثر قليلا أن هذه قصة رسوم متحركة!! بل و موجهة للبنات!! لكن ما باليد حيلة, فقد كنا أيام الصبا نتفرج على أي شيء. كما أن باعي في الأفلام منعدم. ثم إن لدي ميلا خاصا نحو الرسوم المتحركة لا يزال ينتابني من حين لآخر إلى الآن, و أنازعه أشد المنازعة..

 

ملخص القصتين :

أما سورة يوسف فغنية عن التعريف. و هي تحكي قصة فتى حسده إخوته على حب أبيه له, فكادوه و حاولوا قتله. فذهب قسرا إلى بيت العزيز, هنالك حيث تعرض لابتلاءات شديدة أودت به إلى السجن ظلما. و يتميز بعد ذلك يوسف بتأويل الرؤى فيخرج من  السجن و تثبت براءته و يملك خزائن مصر. و في النهاية يأتي إليه إخوته تائبين, و تنتهي القصة بنهاية "سعيدة".

أما قصة "صاحب الظل الطويل", فهي لفتاة يتيمة اسمها جودي, صبرت على الفقر و اليتم و ظلم المجتمع الأمريكي (في الحلقة الأخيرة مقطع يشفي الغليل تنتقد فيه جودي الحرية و التآخي المزعومين في أمريكا), و ذلك بفضل دعم شخص ما مجهول ذي ظل. تتعرف جودي على جيرفز و يتزوجان بعد أن تعرف أن جيرفز هو نفسه صاحب الظل. نهاية "سعيدة" كذلك.

 

و الآن فلنبدأ بعقد المقارنات.

 

بين الموت و الخلود :

النهاية سعيدة في كلتا الحالتين. لكن العجيب أن الحسرة تنتاب المتفرج بعد نهاية "صاحب الظل" بينما يشعر بالسكينة بعد نهاية قصة يوسف. و هنا ننبه إلى وجود "حبكة قصصية" متعددة في القصتين : إذ ينتقل "البطل" من الخير إلى الشر بشكل مستمر, مما يحرك مشاعر المشاهد بشكل قوي.

و هكذا نرى أن يوسف يلقى في البئز (-) ثم يدخل القصر (+). و بعد ذلك يفتن من امرأة العزيز و يدخل السجن (-) لكن يخرج و يصير ذا مكانة (+). و بعد ذلك نعيش معاناة يعقوب عليه السلام (-) قبل أن يلتقي الجميع في سلام(+).

و في المقابل, نرى العلاقة بين جودي و بين منقذها متذبذبة, خاصة في الحلقات الأخيرة. فهو بين الحياة و الموت, و هي مترددة بين إخبار الآخرين بأصولها الفقيرة أم لا.. قبل أن تحل الأمور كلها.

هنا نلاحظ شيئا : عندما كان صاحب الظل على وشك أن يموت, كان الحزن و القلق مسيطرا على المشاهد. و عندما زال المرض و تزوج بالبطلة, تأتي لحظة سعادة.. ثم ماذا؟ انتهت الحلقة! نعم تزوجا, و ماذا بعد؟ سيموتان على كل حال! و ستنتهي سعادتهما المزعومة تلك! و هكذا أخرج من الحلقة سقيما. فقد بنيت الحلقة كلها على مبدأ أن يعيشا في سعادة. فإن ماتا يوما فما الفائدة إذن؟

أما يوسف عليه السلام, فيكفينا قوله و هو على فراش الموت : "فاطر السماوات و الأرض أنت وليي في الدنيا و الآخرة توفني مسلما و ألحقني بالصالحين". فالبطل هنا يحب الموت لأنه سيلتقي بالصالحين, فلذلك تمتد القصة إلى ما لا نهاية, إلى الأبد. و يدرك الأبطال كلهم أنهم سيجتمعون في عالم آخر, أجمل من سابقه. و هكذا لا يشعر المشاهد (القارئ أقصد, وهو في الواقع مشاهد لأن لآيات القرآن تصويرا لا يصل إليه أي إبداع فني بشري) بنهاية للقصة تنهي السعادة, بل هي السعادة المستمرة في الدنيا و الآخرة.

 

بين البطل و الحق :

يتعلق المشاهد كثيرا بشخصية جودي, فهي من الشخصيات المتناقضة التي يرى المرء نفسه من خلالها. و ترتبط حبكة القصة كلية بشخص جودي. فإن أصابها مكروه أصيب المشاهد بمثله, و إن سرت سر معها. و هذا ما يجعل مشاعر المشاهد في وضع غير مستقر, فهو يتأرجح بين الفرح و الحزن.. و هما شعوران آدميان منحطان (لا تعجل علي, سأوضح). بينما نجد قصة يوسف تتأرجح بين السرور و الإشفاق, في إطار من السكينة. و هي حقا المشاعر الآدمية الراقية! إذ لا تخرج الإنسان من طوره و لا تذهبه توازنه.

فلم نجد هذا في قصة يوسف؟ لأنها تربطك مباشرة بالحق, لا بالشخص. حتى و القصة في مجملها تدور حول شخص يوسف, إلا أن هذا الأخير لا يفتأ يذكر بمفاهيم مجردة فوق بشرية : "ذلك مما علمني ربي", "ادخلوا مصر إن شاء الله", إنه ربي أحسن مثواي".. و غيرها من الآيات التي تنبه إلى أن يوسف ما هو إلا عبد من عباد الله, و ليس بطلا بالمعنى المتداول بيننا.

 

كانت هذه بعض العناصر التي خطرت لي الآن. ستكون إن شاء الله كتابات أخرى في هذا السياق. أما الآن فنكتفي بهذا, و حسبنا أن نوقن بأن منافع مشاهدة فيلم أو غيره تكاد لا تغطي المساوئ الناشئة عنها, بينما تزيدك تلاوة القصص القرآني سكينة و هدوءا.. و الله أعلم على كل حال.

Publié dans Réflexions

Commenter cet article