نزل علي الخبر كالصاعقة. لوهلة لم أصدق، لكن كان لابد أن أصدق.

تناحرت في نفسي مشاعر شتى... الحزن، فالرجل كان قريبا إلى نفسي، و لولا أني تعرفت عليه لكان حالي غير ما أنا عليه الآن.

الحسرة، لأنني لم أره إلا مرة واحدة. و لأنني لم أنتفع بعلمه و ربانيته و قد أتيحت لي الفرصة لذلك.

و الضياع! إذ من سيحمل المشعل من بعده؟ لقد كان الرجل فريدا في مجاله. و هذا الصباح بالذات، قبل أن يأتيني خبر وفاته بساعتين، كنت أبحث عن العلماء الربانيين الذين يصلحون للتربية في المغرب. فلم أجد أحدا إلا الفريد.
أما الآن، فمن بقي؟ يا للمصيبة!

خرجت من المنزل تائها هائما على وجهي. و خرج أخي بجواري، صامتا هو الآخر.

كنت أحس بالهزيمة، و أن كل شيء انتهى.. ثم بغتة، و بدون مقدمات، التفت أخي إلي وقال لي :
هل تعلم؟ بمناسبة الحديث عن مجالس القرآن، تحدث خطيب الجمعة أمس عن سورة التين. و قال لنا...

نظرت إليه سارحا، ثم عادت الحياة إلي... ثم ابتسمت من جديد
Samedi 7 novembre 2009
- Publié dans : Actualités
Voir les commentaires - Ecrire un commentaire
ما الذي يدفع الإنسان لكي يغادر وطنه، تاركا خلفه العيش الرغيد و الاستقرار الأكيد، فيهاجرَ إلى بلاد بعيدة و غريبة؟

جلست معهم اليوم، فلمحت في ثنايا عيونهم عزيمة أقرب إلى القسوة، و أبصرت في ثنايا كلامهم حنينا إلى اللغة الأم، و إلى البلد الأم.

لماذا غادروا بلاد النور و الجمال، آمِّينَ بلدا تدَيَّنَ أهله بالكسل و الفوضى، و أحب مؤخرة المساجد و الأقسام؟

لماذا أتوا؟

رحب بي اثنان منهم، ثم سلمت على ثالث كان يطالع "وثيقة ما"، و كانت بجواره "مجلة ما".. فأدركت أنهم "منهم". هذا بلا شك يوم الشرف و البركة!

سألت أحدهم : "أنتحادث بالفرنسية أم بالعربية"؟ فأجابني : "بل بالعربية أحسن". لكنني أبيت إلا لغة السادة في بلاد الشمال، إذ ما كان للعبد أن يتمرد على مولاه! فكانت هذه واحدة.

ثم شرعت في المسرحية، أمثل دوري الثقيل على نفسي! و هما يستمعان بإنصات. ثم طرحا أسئلة، فطفقت أرد راجما بالغيب، مشيرا بيدي و برأسي و بسائر جسدي. فظهر البون شاسعا بين لسان راسخ بالإيمان، و بين شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار! فقلت : و هذه الثانية.

و لما انتهى الحوار، وددت لو أسألهم عن "هم", أو آخذ نسخة من "مجلتهم". كما انتظرت أن يعرفوني بأنفسهم و بفضلهم الذي طارت بهم الركبانن لكن شغلهم الشاغل كان حول خروج التلاميذ إلى الاستراحة! فاعتذروا إلي بأن عليهم الخروج.

البارحة فقط، قابلت مديرا تابعا "لتيار ما". و لئن كانت مدرسته هو الآخرممتازة إلا أنه ما فتئ يمتدحها أمامي كل حين.
فأبصرت الفارق جليا : بين من هاجر إلى الله و رسوله فنسي ذاته و حظوظها، و بين من هاجر إلى الله و رسوله و إلى امرأة ينكحها فأعجب بعمله. فقلت في نفسه : هذه هي، هذه الثالثة. و هذه فراق بيني و بينهم!

غادرتهم آسفا كسيف البال. و أحسست بحقارة نفسي : أنا الطاعم الكاسي، أعجِزُ أن أقدم خيرا لديني و لوطني. أما "هم"، المهاجرون في الغربات، فيبنون بصبر لبنات لا تنهدم أبدا.

و أدركت السر : الإخلاص. و هل الإخلاص إلا أن تفني ذاتك في مرضاة الله؟

فالسلام عليكم يا جنود الخفاء
Mardi 27 octobre 2009
- Publié dans : Réflexions
Voir les commentaires - Ecrire un commentaire
كنت جالسا بين يديه، رفقة ثلة من طلاب النور..

كان ذلك سنة 1929، في قرية بارلا التركية. كان الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله يشرح لطلابه المهمة الجسيمة التي تنتظرهم.

يا إخواني في طريق النور!
اعلموا أنكم في زمن الفتنة اللاهب! و أنه لا مخرج لنا اليوم إلا بالاستمداد من نور القرآن المجيد!
دعوا عنكم السياسة و أهلها. فإن العمل في الخدمة القرآنية لهم أنفع لكم و لهم لو كنتم تعلمون!

كان طلابه مطرقين كأن على رؤوسهم الطير. أما أنا فكان لي رأي آخر..

يا أستاذنا الموقر! اعذرني على سوء أدبي تجاهكم، لكنني أخالفكم في توجهكم : فمثلا، أنتم توصوننا باستنساخ رسائل النور. أليس من الأفضل العمل على نشر القرآن؟ لأن هذه الرسائل، على جلالة قدرها، لا تساوى ذرة مقابل القرآن.
ثم أين العلم الشرعي وسط دعوتكم هذه؟؟ لا أرى دروسا في الفقه و لا في الحديث، بل كل حديثكم حول القرآن، القرآن... أخشى أن نتحول إلى قرآنيين زنادقة و نحن لا نشعر!
شيء آخر : أنتم قد تركتم السياسة كلية، و هذا موقف غبي. من الذي سيدفع عنكم الشرور إذا تركتم المجال لأتباع مصطفى كمال؟ ما أرى البلاء الذي نزل عليكم إلا نتيجة لهذا الموقف الجبان.
فستذكرون ما أقول لكم. و أعتزلكم و ما تدعون من دون الله!! وداعا!

وهكذا غادرت حلقة النور، وسط نظرات مشفقة من الأستاذ و طلابه.

و في سنة 1959 : نصر الله دعوة بديع الزمان نصرا مبينا. و كنت آنئذ في الرباط. لكم شعرت بالحسرة! و قلت في قرارة نفسي :  يا طلاب النور، تالله لقد آثركم الله علي! يا لي من شخص كثير الجدل قليل العمل!


و الآن، في سنة 2009، اطلعت على منهج الشيخ فريد الأنصاري. فوجدت الرجل مطلعا أتم الإطلاع على دعوة بديع الزمان. ثم هو قد قام بتطويرها لتلائم حاجة المجتمع المغربي في هذا الزمن.
يوصي الشيخ الأنصاري بالتركيز على مجالس القرآن، و يؤكد جازما أنها السبيل إلى تغيير أحوالنا. ثم هو يؤكد بشكل خاص على نشر سورة الفرقان و التخلق بها.

و أجدني اليوم أتصرف كما تصرفت قبل ثمانين سنة : فلسفة و سفسطة و جدال، لا غير! بدل أن أكون من السابقين في العمل في هذه الخدمة القرآنية، أجدني ألتفت يمنة و يسرة باحثا عن مناهج إصلاحية أخرى. من الواضح أنني لم أفهم الحكمة الكبرى : ليس الشأن أن تعمل أفضل عمل على الإطلاق، و لكن الشأن أن تخلص و تتفانى في عمل ما يرضي الله و رسوله، و إن لم يكن أفضل الأعمال. و هذا ما فعله طلاب النور في تركيا : وجدوا قبسا من نور وسط الظلمات الحالكة فلم يترددوا في اتباعه. ففتح الله على أيديهم فتحا مبينا.
و اليوم أجد دعوة القرآن التي ينادي بها الشيخ الأنصاري. فهل آن الأوان أن أترك سفسطتي جانبا، و أتفرغ لمثل هذا العمل؟ أعتقد أن لا مفر من ذلك.


Vendredi 23 octobre 2009
- Publié dans : Réflexions
Voir les 1 commentaires - Ecrire un commentaire
أرجوكم، لا تقرؤوا هذه الرسالة، و لا تطلعوا على مضمونها! فهي خطاب من النفس إلى النفس، و لا أحب أن يطلع عليه أحد سواها...

عزيزي جلال(*)،

نحن الآن في خلوة و لا يسمعنا من البشر أحد. أعتقد أن هذه فرصة لا تعوض لنتحدث قليلا... من النادر أن نتحدث سوية، هل لاحظت هذا؟ كل واحد منا له أصحاب و مشاغل، و يقضي اليوم كله في الحركة و النشاط، وفي الكلام و الاستماع... لكننا أحدنا لا يكاد يستمع إلى صاحبه إلا قليلا قليلا! مع أننا نسكن في نفس البيت طيلة خمس و عشرين سنة!

أراك تتململ... أعرف أن هذا الأمر ثقيل عليك، لكن أرجوك، أعطني من وقتك دقيقة.. أو أقل.. لن آخذ من وقتك الكثير، فقط أعطني الفرصة لأتحدث معك..

عزيزي جلال، هل لاحظت أنك قد كبرت؟؟

صار عمرك خمسا و عشرين سنة! و البارحة فقط، كنت تلعب الكارطة (المترجم : هي لعبة الورق) مع أقاربك. لاشك أنك تجد ذلك في ذاكرتك قريبا، قريبا جدا، و ما زلت تذكر الكثير من التفاصيل.
لكن هل تعلم أن ذلك كان قبل خمسة عشر سنة؟؟!

جلال، إن الوقت يمر بسرعة! بين عشية و ضحاها ستصل الأربعين سنة. و الأربعون هي بداية النهاية في عمر الإنسان...

يا أحب الناس إلي، تدارك الموقف! حاول و لو لمرة أن تتوقف قليلا، و أن تستمع إلي. صدقني، إن كان في الوجود أحد يريد لك الخير و الخير فقط، فلن يكون غيري. فأنا هو أنت، و أنت هو أنا..

جلال،
آن الأوان لتفتح عينيك على بعض الأمور.

أولا، أنت لم تعد طفلا. سنك و عملك و أحوالك تفرض عليك أن تقر بهذا : أنت لم تعد طفلا.
لم أقول لك هذا؟ لأنك تصر ـ و بشكل لا معنى له ـ على التصرف كالأطفال! بل وعلى التفكير كالأطفال في بعض الأحيان!
لكن انظر إلى أصحابك! افتح عينيك على الحقيقة التي تحاول تجاهلها : لقد تزوجوا جميعا إلا القليل. و أنت تعلم أن الزواج هو مرحلة متقدمة من النضج. أما أنت، فما زلت تتأرجح يمنة و يسرة، و كأنك تنتظر شيئا ما، هكذا!

ما زلت لحد الساعة عاجزا عن أن تعيش حياتك كما تريد يا جلال. أنت سجين في واقع الأمر. أسير للأوهام المريضة التي تعشش في خيالك. غير قادر على اتخاذ قرار ما، بل تنتظر من يحمل عنك الهم و يتحمل المسؤولية. هذا ضعف و هزيمة!

على كل. سأدعك لترتاح قليلا و تهضم ما قلت. فإن أحببت أن تسمع المزيد فأنا رهن الإشارة.
أعانك الله.

ـــــ
(*)
جلال ليس اسمي الحقيقي. لم يأن الأوان لتعرفوه بعد، يا من قرأتم الرسالة رغم نهيي عن ذلك!!


Jeudi 22 octobre 2009
- Publié dans : Moi!
Voir les commentaires - Ecrire un commentaire
أخي العزيز،


مرت فترة لا بأس بها منذ كتبت آخر مقال لي. و إنك لتتساءل عن السبب وراء ذلك : هل هو تَكَبُّر عن الآخرين، أم انشغال بالفكر و التفكر، أم شيء آخر؟


للأسف، فالأمر غير ذلك. و إني و إن كنت أشكر لك ظنك الحسن تجاهي، فإن الحقيقةَ غيرُ ما تظن.


كلا. إن السبب الرئيس وراء غيابي الطويل هو انشغالي بالدنيا و همومها، و من ثم انقطاع الواردات عني.

هذه حقيقة. لقد صارت أناملي عاجزة عن تسطير كلام يصل إلى القلب... ببساطة لأن لا شيء يصل إليها من القلب. هذا القلب، الذي كان في ما مضى مستودع الفكر و معقل جيوش التدبر، صار اليوم كالكوخ الخرب، تدب فيه الحشرات و الصراصير و تركن إليه العناكب و الخفافيش. و كيف لا؟ و قد هبت عليه عواصفُ جليدية مدمرة، أحالت أركانَه إلى خراب، و دمرت نوافذَه و أبوابَه فما بقي من أحد يسكنه إلا الهوام؟

نعم. لقد تحطمت المدفئة، فهب البرد القارس شديدا فلم يَبْقَ بعدُ مكانا للسكن. فأنى لقلب هذا شأنه أن يولد الحرارة؟ بل كيف له أن يستقبل الواردات من المَلَكِ و قد تحطم جهاز الاستقبال جَرَّاءَ الثلوج المنهمرة؟

لقد تعرض قلبي ـ يا أخي العزيز ـ إلى إعصار شديد. و هذا الإعصار مَرَدُّه إلى الإقبال على الدنيا و شؤونها التافهة. لقد غرقت في متاعب العمل و طموحات التَرَقِيات، و زُيِّنَ لي الانهماك فيه عسى أن أصل إلى درجات الصديقين. أو ليس العمل عبادة؟؟! فإن انضاف إلى هذا فتور في العبادات و انفصام لِعُرَى الأُخُوَّاتِ، سَهُل على النفس الغرقُ في هذا المستنقع الآسن.

هذه هي حالي يا أخي. و إني إذ أكتب اليوم، فإني أحاول قدر المستطاع أن أُحْيِيَ هَدْيا طال غيابه، عسى أن تنبُعَ من شرارته بداية جديدة أَحْيَى بها من جديد.

أعانك الله
Jeudi 22 octobre 2009
- Publié dans : Moi!
Voir les commentaires - Ecrire un commentaire

Calendrier

Novembre 2009
L M M J V S D
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30            
<< < > >>
Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés