http://www.alfetria.com/forum/showthread.php?t=90

سُورَةُ الفُرْقَان
"مكية وعدد آياتها: 77"

تقديم
سورة الفرقان! سورة ولا كأي سورة!
إنها بوابةٌ عظيمة للقرآن الكريم! بوابةٌ لمعارج الروح نحو منازل الأسرار والأنوار! ولسياحة القلب في عالم الْمُلْكِ والْمَلَكُوتِ! حيث جمال الأنس بالله، وحيث استدرار بركاتِ رضاهُ ونعمةِ هُدَاه. وإنَّ بها لكلمات! وإنَّ لها لرسالات! ما تَلَقَّى عبدٌ شيئا منها - وهو في مقامها - إلا تَوَهَّجَتْ بصيرتُه بنورِ الْهُدَى! وكان له من الله في قلبه نُورٌ وفرقانٌ عظيم!
فالداخل منها إلى فضاء القرآن الفسيح يكتسب مَسْلَكاً فريدا في تَلَقِّي رسالاته! إنها موطن التحلي بالخبرات الأساسية التي يتيحها القرآن للمؤمن في الدين والدعوة جميعا. إنها تعرض خلاصة المنهاج القرآني في السير إلى الله ديناً ودعوةً، بما لا تجده في غيرها بهذا التركيز وبهذا الشمول! ففيها المنهاج، وفيها البرنامج، وفيها التقويم! مدرسةٌ كاملة من أولها إلى آخرها، بها مراحلُها وفيها فصولُها، ومنها دروسُها. وعلى عين رب العزة - جَلَّ جَلاَلُهُ - يكون التمدرس فيها! وإن المتخرج منها ليكتسب فرقانية الدعوة وفرقانية الدين!
ولقد وددت لو أن جميع الشباب يحفظونها حفظا غير عاد، حفظا ينقش حقائقها الإيمانية في القلب نقشاً، ويرسم خريطتها فيه رسماً، وينحت كلماتها فيه نحتا، فإذا به يحيا بها ولها! يقرؤها في سبحات النهار، ويرتلها في خلوات الليل الساجي! فأبشر إذن يا صاح بانفتاح بصيرة الروح! وأبشري يا جموع ببوارق الفتح المبين!
إن سورة الفرقان تستحق أن تتفرغ لها الجهود والطاقات، وأن تُصرف في سبيلها الأموال والأوقات! ألا ليت أمة من المسلمين كبيرة، تتفرغ لهذه السورة العظيمة! تتلقاها بقوة! وتبلغها بمواجيد الأشواق الملتهبة، حتى ينتشر نورها الساطع في كل منطقة وقطاع! وإنه ليكونن لآثارها الكبيرة أمر عُجَابٌ!
بلغوها إلى رجال التعليم - بكل مستوياته - تروا عجبا!
بلغوها إلى رجال الاقتصاد في كل ميادينه تروا عجبا!
بلغوها إلى رجال الإعلام بكل أشكاله تروا عجبا!
بلغوها إلى رجال السياسة بكل المواقع تروا عجبا!
بلغوها إلى رجال الإدارة بكل مراتبهم تروا عجبا!
بلغوها إلى جموع الشباب تروا عجبا!
بلغوها إلى قلوب النساء تروا عجبا!
بلغوها إلى قطاع العمال تروا عجبا!
بلغوها..!
بلغوها أحبتي بلهيبها ووميضها!
بلغوها – بعد تلقيها حَقَّ تلقيها! - بلاغا كاملا شاملا، ينبلج فجر هذه الأمة بصبح قريب، قريب، قريب..!
أيها الأحبة الكرام! يا حُمَّالَ رسالات القرآن! إنني على يقين أنه لو تم إيصال سورة الفرقان إلى مصانع الظلام هنا أو هناك؛ لانزوى الشر كله عن البلاد، ولارتفعت للخير راية لا تنكسها حراب الأعداء!
إنها سورة الأسرار والأنوار، أنزلها (الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(الفرقان:6)
إن سورة الفرقان – أحبتي - مدد إلهي كبير، وسيل رباني عظيم، لا تقف دونه السدود ولا الحدود! فلو تدفق على أي مكان لذاب التراب، كل التراب! ولصارت الكلمة فيه لسلطان الروح!
ولكنها تحتاج مني ومنك إلى تجريدٍ وتفريدٍ!
أما التفريد: فهو توحيد القبلة تجاه هذا القرآن؛ لأن ربيعه الرقراق لا يقبل الشريك في مصدريته التربوية، كما أن مصباحه الدري لا يتوهج إلا بزيته الخالص. فإذا ما عَكَّرْتَهُ بزيت مغشوش، انقبضتْ عن روحِكَ أسرارُه، ولم تنعكس على قلبك أنوارُه! وإذن يفسد الذوق وتختل المقاييس! ويضيع منك الفرقان!
وأما التجريد: فهو تفريغ القلب من الأهواء! والتجرد لله من كل حول وقوة! والدخول إلى جنة كتابه بافتقار كامل وبعبدية خالصة! فالقرآن لا يفتح كنوز أسراره إلا لمأذون! ولا إِذْنَ لمن تعلق بقلبه شيءٌ من كبرياء الهوى واستعلاء الفهوم! (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ!)(النور:40) فاخضع لربك واخنع قبل طرق الباب!
فيا ربي الكريم! ها أنا ذا عبدك الفقير عدت إليك تائبا منيبا! أحمل أثقال ذنوبي وخطاياي! أطرق باب رحمتك وعفوك.. قد أثخنتني الجراح في متاهات الشرود عن واحات منهاجك! وهذه العِلَلُ والأهواء قد هَدَّتْ قلبي وأنهكت روحي! فالعين يلفحها ألم! والأذن يخرسها صمم! والقلب يعصره ندم! وما لي من دواء إلا في سقاء رحمتك ونور فرقانك!
فاللَّهُمَّ أنتَ ربي لاَ إِلَهَ إلا أنتَ! خَلَقْتَنِي وأنَا عَبْدُكَ، وأنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لكَ بِنِعْمَتِكَ عَليَّ، وأَبُوءُ لكَ بِذَنْبِي! فَاغْفِرْ لِي! فَإنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ!
وتَكَرَّمِ اللَّهُمَّ بِوَارِدَاتِ الرِّضَا والقَبُولِ، وافتَحْ لِي أبْوَابَ رَحْمَتِكَ!
ـــــــــانتهى.
Samedi 20 juin 2009
- Publié dans : القرآن العظيم
Voir les 0 commentaires - Ecrire un commentaire
http://alfetria.com/forum

سألني بعضُ الْمَشُوقِينَ بنور القرآن قال:

هذا كتاب الله بين أيدينا، فكيف نقتبس نوره؟ كيف نتلقَّى رسالاته؟ كيف نشعر بوقع كلماته في قلوبنا؟ كيف نكتشف ذلك النور الذي تتحدث عنه الآيات؟ وكيف نتلقى ذلك الروح الذي تفيض به الكلمات؟ ماذا نصنع حتى نتفاعل مع القرآن كما تفاعل معه جيل الصحابة الكرام، ومَنْ سار على أشواقهم من الصديقين والشهداء والصالحين عبر التاريخ؟
أوليس هذا القرآن نفسه هو الذي تخرجت به هذه الأمة؟

قلت: بلى!
إلا أن المشكلة اليوم هي أننا نقرأ القرآن على أنه مجرد مصحف لا روح فيه! صحيح أننا نؤمن أنه نزل في يوم ما من السماء، وأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - تلقاه عن ربه رسالةً إلى العالمين كافة.. تلك عقيدة لا يصح إيمان المسلم إلا بها. نعم، ولكن المشكلة هي أن الشعور بهذه الحقيقة العظيمة اليومَ شعورٌ ميت لا حياة فيه! لأننا في الغالب نربطه بالتاريخ الذي كان فقط، وكأن الطبيعة التنـزيلية للقرآن شيء كان وانتهى، ولا معنى له اليوم في حياتنا المعاصرة! إنه في مخيلتنا العامة أشبه ما يكون بحجر أو نَيْزَكٍ سقط يوما ما من نجمٍ مُذَنَّبٍ عابر في السماء، فكان أولَّ سقوطه حاميا ملتهبا! لكنه لم يزل يبرد شيئا فشيئا حتى خَفَتَ، ثم انطفأت جمرته فصار حجراً كأي حجر! وأقصى ما ينتبه إليه الناس اليوم هو أنه حجر له قصة، وهي: أنه نزل في يوم ما من السماء.. وهنا ينتهي الأمر! فإذا فزعنا إلى التفاسير والدراسات القرآنية؛ وجدناها في الغالب تحاول تحليل طبيعته على المستوى الشكلي، فتدرس المكونات اللغوية والبلاغية والطبقات الدلالية لهذه الآية أو تلك، وكأنها مجرد معاجم للمعاني ليس إلا! تماما كما يدرس الجيولوجيون مكونات الحجر المعدنية، وطبيعتها، وتاريخها، ومستويات بريقها واختلاف ألوانها وأحجامها.. إلخ. هكذا نتعامل مع القرآن في كثير من الأحيان.
إن ذلك كله شيء مهم.. ولكنه لا يرتقي بالتعامل مع كتاب الله من مستوى "المصحفية" إلى مستوى "القرآنية"!

إن أهم فصل في تعريف القرآن المجيد هو أنه: "كلام الله رب العالمين!"
وما كان لكلام الحي الذي لا يموت أن يبلى أو يموت! ولكن الذي يموت هو شعورنا نحن! والذي يبلى هو إيماننا نحن! أما الوحي فهو عين الحياة! وحقيقة "الوحي" هي أول صفة يجب أن نتلقى بها القرآن الكريم، وهي أهم جوهر يجب أن ننظر من خلاله إلى كلماته؛ بما هي كلمات الله رب العالمين!
ذلك أن كلام الله لا يتنـزل على الرسل إلا وحيا.. قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(الشورى: 51).

وهذا شيء مهم جدّاً! فكون القرآن "وَحْياً" هو المعراج الرئيس الذي به يرتقي القارئ له إلى سماء القرآنية! إنه المصطلح المفتاح الذي به يكتشف طبيعة القرآن، ويبصر نوره، ويتلقى حقائقه الإيمانية ورسالاته الربانية، ويشاهد شلالات الجمال والجلال، حية متدفقة من منابع القرآن!

إن كون القرآن "وَحْياً" ليس معنى تاريخيا فحسب؛ بل هو معنى مصاحب لطبيعته أبداً! بمعنى أن صلة القرآن بالسماء هي صلة أبدية..! إن المشكلة هي أننا عندما نقرأ القرآن نربط الوحي فيه بذلك الماضي الذي كان! بينما الوحي نور حاضرٌ، وروح حي، يتدفق الآن في كل آيات القرآن، وينبع من تحت كل كلماته، شلالاتٍ من كوثر ثَجَّاجٍ!

لقد قُبِضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فانقطع الوحي التاريخي، أي انقطع فعل التنـزيل الذي كان في الزمان والمكان، بواسطة الملاك جبريل عليه السلام. ولكن بقي الوحي القرآني، أو الوحي/القرآن! والوحي هنا صفة اسمية من أسماء القرآن المجيد، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ!)(الأنبياء: 45) وقال سبحانه: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)(النجم: 4). وقد قال أبو بكر لزيد بن ثابت رضي الله عنه: (إِنَّكَ شَابٌّ عَاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْوَحْيَ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ!)(1) وإنما سمي القرآن "وَحْياً" لأنه نزل كذلك، قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)(الأنعام: 19).

فالوحي – كما ترى - له دلالتان: الوحي الحَدَثُ، أي النـزول الخفي من السماء، وهو سبب النبوة، وهو الذي انقطع. والوحي الصفة، وهو لا ينقطع أبداً. وعليه سمي هذا القرآن المجيد "وَحْياً". فالمعنى الأول مصدري، أي أنه مصدر لفعل "وَحَى، يَحِي وَحْياً" ويقال "أوحى" أيضا كما هو في القرآن الكريم. وأما المعنى الثاني فهو "الوحي" بالمعنى الاسمي لا المصدري، أي بما هو اسم من أسماء القرآن، وصفة من صفاته الجوهرية الثابتة. وهو معنى متولد من المعنى الأول؛ فلأن القرآن نزل وحيا من الله؛ صارت له تلك الصفة فسُمي: "وَحْياً"، وأصبح هذا اللفظ اسماً عَلَماً على كتاب الله تعالى. فلك أنت تقول: القرآن هو الوحي، والوحي هو القرآن. والآيات المذكورة قبلُ دالة على هذا.
قال الإمام الطبري رحمه الله: (أما "الوَحْيُ"، فهو: الواقع من الْمُوحِي إلى الْمُوحَى إليه، ولذلك سَمَّتِ العربُ الْخَطَّ والكِتَابَ "وَحْياً"؛ لأنه واقعٌ فيما كُتِبَ، ثَابِتٌ فيه.)(2) وعلى هذا جرت معاجم اللغة. قال صاحب الصحاح: (الْوَحْيُ: الكتابُ، وجمعه وُحِيٌّ. والوَحْيُ أيضاً: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفيُّ، وكلُّ ما ألقيته إلى غيرك. يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ وأوْحَيْتُ، وهو: أن تكلِّمه بكلامٍ تخفيه.)(3) وفي اللسان: (والوَحْيُ: المكتوبُ، والكِتَابُ أَيضاً. وعلى ذلك جمعوا فقالوا: وُحِيٌّ، مِثْلُ حَلْيٍ وحُلِيٍّ.)(4)

وقد يقول قائل هذه حقائق بَدَهِيَّةٌ فَلِمَ العَنَاءُ؟ أقول: نعم؛ ولكننا ننساها فنضل الطريق إلى القرآن!.. وإنما مشكلة أجيالنا المعاصرة أنها أضاعت بَدَهِيَّاتِهَا! حتى صرنا في حاجة إلى إعادة تقرير معنى "الدين" نفسه!(5)
نعم! إن تَلَقِّي القرآن بوصفه "وَحْياً" هو المفتاح الأساس لاكتشاف كنوزه الروحية، والتخلق بحقائقه الإيمانية العظمى!


النور.. تلك هي طبيعة الوحي وصِبْغَتُهُ، وصفته الثابتة للقرآن، حقيقة جوهرية لا تنفك عنه.. والنور روحٌ، لكنه روحٌ يسري في كلمات القرآن بخفاء، وإنما المؤمنون وحدهم يبصرون جداوله الرقراقة، وهي تتدفق بالجمال والجلال!

ولكن كيف يكون هذا؟

لنعد إلى مثال النجم المذنَّب!.. إن ذلك النَّيْزَكَ الناري الواقع من السماء إلى الأرض، ما يزال يحتفظ بأسرار العالم الخارجي الذي قَدِمَ منه! إنه فِهْرِسْتٌ مكنون، لو تدبرته لوجدته يكتنـز خريطةَ الكون كله! ويحتفظ من الأسرار ما عجزت عن إدراكه أحدث مراصد الفلك، وأعقد معادلات الرياضيات، وأحدث نظريات الفيزياء!.. إنه لم يفقد حرارته ولا طاقته قط! وإنما حُجِبَ لهيبُه رحمةً بالناس، وتيسيراً لهم، وتشجيعا للسائرين في الظلمات على حمل قنديله الوهاج، والقبض عليه بأصابع غير مرتعشة، بل على احتضانه وضمه إلى القلب، نوراً متوهجاً بين الجوانح!

إن مَثَلَ القرآن ومَثَلَ الناس في هذا الزمان، هو كثلاثة مسافرين تَاهُوا في الصحراء بليل مظلم! صحارى وظلمات لا أول لها ولا آخر..! فبينما هم كذلك إذ شاهدوا في السماء نجماً مُذَنَّباً لاَهِباً، لم يزل يخرق ظلمات الأفق بنوره العظيم، حتى ارتطم بالأرض! فافترقوا ثلاثتهم إزاءه على ثلاثة مواقف:

فأما أحدهما فلم يُعِرْ لتلك الظاهرة اهتماماً، بل رآها مجرد حركة من حركات الطبيعة العشوائية! وأما الآخران فقد هرعا إلى موقع النَّيْزَكِ فالتقطا أحجارة المتناثرة هنا وهناك.. وكانا في تعاملهما مع تلك الأحجار الكريمة على مذهبين:

فأما أحدهما فقد أُعْجِبَ بالحجر؛ لِمَا وجد فيه من جمال وألوان ذات بريق، وقال في نفسه: لعله يستأنس به في وحشة هذه الطريق المظلمة، ثم دسه في جرابه وانتهى الأمر!

وأما الآخر فقد انبهر كصديقه بجمال الحجر الغريب! وجعل يقلبه في يده، ويقول في نفسه: لا بد أن يكون هذا المعدن النفيس القادم من عالم الغيب يحمل سِرّاً! لا يجوز أن يكون وقوعه على الأرض بهذه الصورة الرهيبة عبثاً! كلاَّ كلاَّ! لا بد أن في الأمر حكمةً ما! ثم جعل يفرك حجراً منه بحجر، حتى تطاير من بين معادنه الشَّرَر..! وانبهر الرجل لذلك؛ فازداد فركاً للحجر، فازداد بذلك تَوَهُّجُ الشَّرَرِ.. وجعلت حرارة معدنه تشتد شيئاً فشيئاً؛ حتى وجد ألم ذلك بين كفيه! بل جعلت الحرارة الشديدة تسري بكل أطراف جسمه، وجعل الألم يعتصر قلبَه، ويرفع من وتيرة نبضه..! لكنه صبر وصابر، فقد كان قلبه - رغم الإحساس بالألم والمعاناة - يشعر بسعادة غامرة، ولذة روحية لا توصف!.. وما هي إلا لحظات حتى تحول الحجر الكريم بين يديه إلى مشكاة من نور عظيم! ثم امتد النور منها إلى ذاته، حتى صار كل جسمه سَبِيكَةً من نور، وكأنه ثريا حطت سُرُجَهَا ومصابيحَها على الأرض! وجعل شعاع النور يفيض من قلبه الملتهب فيعلو في الفضاء، ويعلو، ثم يعلو، حتى اتصل بالسماء!..

كان الرجل يتتبع ببصره المبهور حبل النور المتصاعد من ذاته نحو السماء، حتى إذا اتصل بالأفق الأعلى تراءت له خارطة الطريق في الصحراء! واضحة جلية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك! ووقع في قلبه من الفرح الشديد ما جعله يصرخ وينادي صاحبيه معاً: أخويَّ العزيزين!.. هَلُمَّا إِليَّ!.. إِليَّ! لقد وجدت خارطة الطريق!.. لقد من الله علينا بالفرج..! أخويَّ العزيزين!.. اُنْظُرَا اُنْظُرَا!.. هذا مسلك الخروج من الظلمات إلى النور! شَاهِدُوا شُعَاعَ النورِ المتدفق من السماء.. إنه يشير بوضوح إلى قبلة النجاة!.. فالنجاةَ النجاةَ!

أما الذي احتفظ بقطعة من الحجر في جرابه فلم يتردد في اتباع صاحبه والاقتداء بهديه؛ لأنه كان يؤمن بأن لهذا المعدن الكريم سِراًّ! ولقد أبصر شعاعه ببصيرة صاحبه، لا ببصيرة نفسه!

وأما الأول الذي لم ير في النجم الواقع على الأرض شيئا ذا بال؛ فإنه رغم نداء صاحبه له لم يبصر شيئاً من أمر الشعاع المتدفق بالهدى! لقد كان محجوبا باعتقاده الفاسد، فلم تَعْكِسْ مِرْآةُ قلبِه الصَّدِئَةُ نوراً! ولذلك لم يصدق من نداء صاحب النور شيئاً من كلامه، بل اتهمه بالجنون والهذيان! ومضى وحده يخبط في الصحراء، ضارباً في تيه الظلمات! (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ!)(النور: 40)

ثم انطلق الرجلان المهتديان يسيران في طريق النور.. وإنما هما تابع ومتبوع، فالمتبوع داعية يرى بنور الله.. ويسير على بصيرة من ربه؛ بما كابد من نار الحجر وشاهد من نوره! والثاني مؤمن بالنور مصدق بدعوة صاحبه، يسير على خطاه وهديه.. ولكنه يكابد في سيره عثرات من حين لآخر وهَنَاتٍ؛ وذلك بسبب ما يلقي إليه الشيطان من وساوس ومخاوف! وليس لديه ما يدفع به كيد الشيطان إلا ما يتلقى عن صاحبه!

وبينما هما كذلك يسيران مطمئنين في طريقهما، إذْ سأل الرجلُ التابعُ صاحبَه المتبوع فقال: أناشدك الله أن تخبرني كيف اكتشفت سر النور في هذا الحجر الكريم!

لكن صاحب النور وجد أن اللغة عاجزة عن بيان حقيقة النور لصاحبه، فما كان منه إلا أن دس قطعة من الحجر الذي كان بين يديه في كف السائل؛ فصرخ الرجل من شدة حر الحجر الكريم والتهابه! وجعل يقلبه بين يديه ثم ألقاه بسرعة في كفه صاحبه! لكن صاحب النور قبض عليه بيد ثابتة مطمئنة! فعجب منه رفيقه وقال: إنما أنت قابض على الجمر!

قال: نعم، هو كذلك! إنه القبض على الجمر! لكن لذة الروح بما يشاهد القلب من نور، وبما يجد من سعادة غامرة؛ ترفع عن الجسد الشعور بالألم، وتمنع حدوث الاحتراق! وإن نار الشوق والإيمان لهي أقوى ألف مرة ومرة من نار الكفر والفسوق والعصيان! ولو وقعت الأولى على الثانية؛ لجعلتها سلاماً وأماناً على قلب العبد المؤمن! (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ! قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ! وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ!)(الأنبياء: 68- 70)

نعم يا رفيقي في طريق النور! إن مكابدة القرآن في زمان الفتن، والصبر على جمره اللاَّهِبِ في ظلمات المحن؛ تلقيّاً، وتزكيةً، وتدارساً، وسيراً به إلى الله في خلوات الليل؛ هو وحده الكفيل بإشعال مشكاته، واكتشاف أسرار وحيه، والارتواء من جداول روحه، والتطهر بشلال نوره.. النور المتدفق بالحياة على قلوب المحبين، فيضاً ربانيا نازلاً من هناك، من عند الرحمن، الملك الكريم الوهاب!

فتدبر يا صاح هذا المشهد القرآني الجليل! في بيان حقيقة تَلَقِّي محمد - صلى الله عليه وسلم - للوحي عن الملَك العظيم جبريل عليه السلام، حيث تلقَّى عنه ما تلقَّى من قرآن كريم، وحياً من الله رب العرش العظيم، وشاهدَ ما شاهدَ خِلاَلَ ذلك من حقائق إيمانية، ومنازل روحانية، ضاربة في عمق الغيب الأعلى! (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى.)(النجم: 1- 18)


ذلك هو القرآن الوحي! إنه حجر كريم، بل إنه نجم عظيم وقع على الأرض! ولم يزل معدنه النفيس يشتعل بين يدي كل من فركه بقلبه، وكابده بروحه، تخلقاً وتحققاً! حتى يرتفع شعاعُه عاليا، عاليا في السماء، دالا على مصدره وأصله، هناك بموقعه الأعلى في مقام اللوح المحفوظ! ومشيراً مِنْ عَلُ ببرقه العظيم إلى باب الخروج..! فهنيئاً لمن تمسك بحبله، واتصل قلبُه بتياره، وتزود من رقراق أسراره، ثم مشى على الأرض في أمان أنواره!

نعم! ذلك هو القرآن الوحي، الذي يصل قارئَه وَحْياً بملأ السماء مباشرةً.. من أول كلمة يقرؤها! فإذا به يطل على عالم الشهادة من شرفات عالم الغيب! بصائر قرآنية واضحة ومشاهدات، لا يضام في حقائقها شيئاً! بصائر ومشاهدات لا تلبيس فيها ولا تدليس، ولا خرافة ولا تخرصات! وإنما هو نور الفرقان! قال جل جلاله: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ!)(الأنعام: 104) وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ!)(الأنفال: 29)

نعم! ذلك هو القرآن الوحي!.. فمن يفرك جمره؟ ومن يقتبس من حر آياته نورَه؟ فعسى أن يترقى في معراجه إلى مقام الروح الأعلى! وعساه يكون بذلك من المبصرين؛ فيشاهد خارطة الطريق..!

أيها القابضون على الجمر..!

أيها المراقبون لنيزك السماء..!

إنه وَحْيٌ.. فَتَعَرَّضُوا لَهُ!

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ!)(آل عمران: 200).

ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله..!

محبكم: فريد الأنصاري



ـــــــــانتهى.
Jeudi 4 juin 2009
- Publié dans : القرآن العظيم
Voir les 0 commentaires - Ecrire un commentaire
http://alfetria.com/forum

أيها الشباب الْمُتَلَقُّونَ لرسالة القرآن!
هذه وظيفتكم أختصرها لكم في كلمات:
إن الانتساب لرسالة القرآن تَلَقِّيّاً وبلاغاً، معناه: الدخول في ابتلاءات القرآن، من منـزلة التحمل إلى منـزلة الأداء!
إنها تَلَقٍّ صادقٌ لكلمات الله، وتعليمُ القلبِ طريقةَ الاشتعال بلهيبها، والصبر على حَرِّ جمرها؛ حتى يصير مشكاةً بلوريةً تفيض بنور الله..! ثم تعليمُ ذلك للآخرين، بتذويقهم شيئاً فشيئاً لذةَ المعاناة لنور الوحي، ومتعة الحياة بمكابدة القرآن..!
أيها الأحبةُ الْمَشُوقُونَ بحب الله!..
إن النورَ طاقةٌ لاهبةٌ، شديدةُ الصعق كالبرق! نعم؛ لكنَّ القلوبَ الْمَشُوقَةَ بوميضه الوهاج حَقّاً، تشتعل به فَتَائِلُهَا اشتعالاً، وتلتهبُ به مصابيحُها التهاباً، ثم لا تحترق!

أيها الأحبة المكابدون! إن الكلام المجرد لا يكفي لبلاغ رسالات القرآن، بل أَمِدُّوا قلوبَ الآخرين بتيارٍ من شرايينكم المشتعلة! تستضئ أرواحهم كما استضاءت أرواحكم! فتغمر الأنوارُ البلادَ والعباد..!

أيها الأحبة المكابدون! إن اللغة عاجزة عن وصف النور..! ولكنَّ الوسيلة الوحيدة لوصفه، والتعريف به، إنما هي قَدْحُ زُرِّ كهربائه، وإشعال فتيل مصباحه! وإنما قلوبكم هي مصابيحه، وشرايينكم هي مجرى تياره! فأشعلوا نَارَهُ بقلوبكم، واقْدَحُوا فتيله بنفوسكم! والتهبوا به التهاباً حتى تكتووا بناره، وتجدوا حَرَّ تياره! فإذا صافحتم الناسَ بحقائق القرآن بعدها؛ وجدوا حَرَّ النور في أيديكم، وتلقوا لهيبه من أنفاسكم، ووقعت عليهم كلمات الله من ألسنتكم وقوعَ النيازك المشتعلة! وذاقوا حقيقةَ مكابدة القرآن كما ذقتم..! فآنئذ - وآنئذ فقط - يدرك الناس معنى رسالتكم!

أيها الأحبة المكابدون! إن حُمَّالَ هذه الحقائق الإيمانية في الأمة اليومَ هم القليل.. وإن الحامل لجمرة واحدة من جمر آية واحدة، يكتوي بلهيبها، ويستهدي بنورها؛ لأنفع لنفسه وللناس – بإذن الله – من مئات الحفاظ للقرآن كاملاً، الذين استظهروه من غير شعور منهم بحرارته، ولا معاناة للهيبه، ولا مشاهدة لجماله وجلاله!

فلا يحقرن نفسَه صاحبُ الآية والآيتين والثلاث... إذا كان حقا ممن قبض على جمرهن بيد غير مرتشعة! وارتقى بقرائتهن إلى منازل الثريا، نجما ينير شبراً من الأرض في ظلمات هذا العصر العصيب!

أيها الأحبة المكابدون..!
يا أيها السالكون إلى الله في زمن الغربة!
 
إن قلة السائرين على الطريق لا ينبغي أن تثني عزم الصادقين، ولا أن تثبط المؤمن عن الانخراط الإيماني في حمل رسالات القرآن وبلاغها.. بل ربما كانت القلة أحيانا دليلا على صواب المنهج! قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾(الواقعة:14) وقال عز وجل في حق نوح عليه السلام: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ!﴾(هود: 40) وقال سبحانه في حق موسى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ!﴾(يونس: 83)
وقد كان الأنبياء - من قَبْلُ - ليس يتبع الواحدَ منهم إلا الرجل والرجلان والثلاثة، أو النفر القليل! فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قَالَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ!)( رواه مسلم) وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ اللَّيْلَةَ بِأُمَمِهَا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلاَثَةُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ! (رواه أحمد، والحاكم وصححه، وابن حبان، والطبراني في الكبير. وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند، والألباني في الإسراء والمعراج) وكذلك كان بدء دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم صار بَعْدُ أكثرَ الأنبياء أتباعاً.

ولنا اليقين أن القِلَّةَ إذا تحققت بولاية اللهِ صَنَعَ اللهُ بها الأعاجيب! وإن الله تعالى إذا نظر بعين الرضا إلى عبد من عباده، أو إلى ثلة قليلة منهم - ولو كانوا معدودين على رؤوس الأصابع – جعل منهم مفاتيح للخير، شهداء على الناس! وقد نُقِلَ عن الفضيل بن عياض حكمةٌ من أبلغ الحكم فيما نحن فيه! قال رحمه الله: (اِلْزَمْ طُرُقَ الْهُدَى وَلاَ يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ! وإيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلاَلَةِ، وَلاَ تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ!)(الأذكار للنووي: 160) وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ! وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ! وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَاناً! وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ! إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ! وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ! وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَاباً لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِماً وَيَقْظَانَ!)(جزء حديث رواه مسلم، عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم)
 
والشاهد عندنا في هذا الحديث: هو نظر الرحمن بعين الرضا إلى تلك البقية القليلة - بل النادرة - من موحدي أهل الكتاب، واستثناؤهم من مقت الله وغضبه! ومعلوم أن بضعة رجال من النصارى الموحدين، ممن بقي على دين عيسى - عليه السلام – من غير تحريف ولا تبديل؛ قد فروا بدينهم - خوفاً من اضطهاد الكنيسة البيزنطية، القائمة على عقيدة التثليث، وعبادة الصليب - وتفرغوا لعبادة الله بعيداً في أطراف الجزيرة العربية(لك أن تنظر قصة إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه، وهي بطولها في مسند أحمد، وفيها قوله رضي الله عنه لمعلمه الراهب عندما حضرته الوفاة، وما بقي على الأرض أحد سواه، ممن هو على دين عيسى الحق، فقال له سلمان: (إِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ! وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ، هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ..) الحديث. رواه أحمد، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة. ). فالتفتَ إليهم الرحمن بعنايته ورحمته، وذكرهم بخير في محكم كتابه، قرآناً يُتْلَى إلى يوم القيامة! وفي ذلك ما فيه من التشريف والتكريم! قال جل جلاله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ!﴾(المائدة: 82-83) وعلى ذلك الوزان جرى ذكر أصحاب الكهف قبلهم، وإنما هم سبعة شبان، في سواد عظيم من الكفار!

فهل من شباب يستجيبون لنداء الله؟ ويسلكون بمسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيدخلون في ابتلاءات القرآن المجيد؛ تخلقاً بأخلاقه، وتحققاً بمنهاجه، وتلقيا لرسالاته، ثم بلاغها إلى سواد الأمة عبر مجالس القرآن ومدارساته، تدبراً وتفكراً!
 
من يبادر إلى إنقاذ نفسه، مع من وفقه الله إلى إصلاحهم من المسلمين؟ فيعود بهم من متاهات الشرود إلى هُدَى القرآن القويم، ويتحلل من شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِيَ اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً!﴾(الفرقان: 30)

إن تأسيس "مجالس القرآن"، والسلوك إلى الله عبر مَدَارِجِهَا الربانية، واتخاذها مدارسَ لِتَلَقِّي حقائق الإيمان، وأخلاق القرآن، والترقي بمعارج العلم بالله والمعرفة به؛ لهو المفتاح الرئيس للولوج إلى مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسير على خطاه في تجديد الدين، ومنهاج الدعوة إلى رب العالمين!

ولعلك تَتَقَالُّ هذا العمل إلى جانب ما ترى في الساحة الإسلامية من كثرة المناهج والبرامج والخطط، والهياكل والأشكال والألقاب، مع غفلة شبه تامة عن موارد القرآن! فتتساءل: أيمكن أن يكون كل هذا العجيج والضجيج على غير صواب في المنهج؟ ولكننا نقول لك كلمة واحدة: إن القرآن وبياناته النبوية في هذا الدين هي كل شيء! نعم هي كل شيء! وإننا نعيش اليوم أزمة خفية في تحديد مفهوم "الدين!" تترتب عنها أزمة أخرى في تحديد مسلكه ومنهاج تجديده!

ومن قَبْلُ تَقَالَّ رجالٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادتَه لربه، فرغبوا في الزيادة على مقادير سنته؛ فغضب من ذلك، وقال: (مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي!)(متفق عليه. ونصه: عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قالَ: (جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا! فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً! وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ! وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَداً! فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ! لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي!) ) والعبرة بعموم اللفظ في كل من خالف النبي صلى الله عليه وسلم، وسار على غير منهاجه، في الدين والدعوة جميعاً!
 
إن القرآن المجيد مع بياناته النبوية هو كل شيء! وهو - في مسلك الدعوة إلى الله - البرنامج والمنهاج، بما للكلمتين من معنى! فَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ رضي الله عنه قَالَ: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَبْشِرُوا! أَبْشِرُوا!.. أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟" قَالُوا: بَلَى! قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ [أي: حَبْلٌ] طَرَفَهُ بِيَدِ اللهِ، وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ! فَتَمَسَّكُوا بِهِ! فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلَكُوا بَعْدَهُ أَبَداً!)(رواه الطبراني في الكبير، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في شُعَبِهِ، وعبد بن حميد في المنتخب. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وصحيح الترغيب ) والأحاديث الصحيحة في هذا المعنى كثيرة وفيرة! وماذا يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ!)(رواه البخاري) إذا لم يكن تعلمَ آياته، وأحكامه، وحِكَمِهِ، وتزكية النفس به، والدعوة إليه وبه؟ على ما هو مقرر في غير ما موطن من كتاب الله، في بيان وظائف النبوة الثلاث: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ!﴾(آل عمران: 164)
 
وإن مجلساً ينعقد لهذا الهدف العظيم - بصدق وإخلاص - لهو حلقة من حلقات الصِّديقين! ومشكاةُ نورٍ مستمدةٌ من مصباح سيد المرسلين! مُتَّحِدٌ مع قافلة الربانيين، من أوائل المؤمنين، من عهد نوح – عليه السلام - إلى خُلَّصِ الحواريين، إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من تبعهم من الدعاة المخلصين، رضوان الله عليهم أجمعين! سلسلة واحدة بعضها من بعض!
 
فيا شباب الإسلام!

هذا نداء الله فمن يجيبه؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ!﴾(الأنفال: 24) وأي حياة أعظم للنفس وللأمة من حياة القرآن؟ وكيف لا؟ وقد جعل الله "الرُّوحَ" اسماً من أسماء القرآن! قال جل جلاله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ!﴾(الشورى: 52) وقال سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ!﴾(النحل: 2) وقال عز وجل: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ!﴾(غافر: 15) وجمهور المفسرين على أن المقصود بلفظ "الروح" في هذه الآيات إنما هو الوحي والقرآن! وكفى بذلك دلالةً على سره الإحيائي العجيب!

إن نداء الدعوة بالقرآن هو نداء عام في كل مسلم ومسلمة، بمعنى أنه لا يلزم أن يكون الداعية به، أو المنخرط في مدرسته، والعاقد لمجالسه، والمكابد لتكاليفه، من أهل العلم المتخصصين به! رغم أن حضور العلماء في الإشراف على مسيرته الدعوية ضرورة شرعية! بل يجوز أن يكون الداعية المنخرط في مدرسة القرآن، مختصا بعلم آخر من العلوم الإنسانية أو الطبيعية، كالهندسة، والطب، والفلك، والرياضيات، أو علوم الأرض والحياة وغيرها.. وربما كان تقنيا في هذا الفن أو ذاك، أو كان تاجراً، أو فلاحاً، أو صاحب صناعة، أو ربما كان ما كان! فيكفي أن يحوز على رصيد من العلم بالعربية، يكفيه لفهم خطاب القرآن على الإجمال. وله - بعد ذلك - في كتب التفسير، وفي إرشاد أهل العلم، ما يسدد خطوه في التدرج بمنازل القرآن، والترقي بمعارجه الإيمانية؛ حتى يكون من الْمَهَرَةِ به، تلاوةً وتعبداً وبلاغاً! قال رب الرحمة جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ!﴾(القمر: 17، و22، و32، و40).
 
وإنما كان المخاطَبون بهذا القرآن في البدء قوماً أميين، لا يكتبون ولا يقرؤون! ولا معرفة لهم حتى بمبادئ العلوم، بَلْهَ تخصصاتها المعقدة! وإنما كانوا على فطرة صافية من اللسان العربي، تلقوا بها كلمات الله؛ فجعلت منهم خير أمة أخرجت للناس! وتلك خاصية هذا القرآن العظيم، وهي مستمرة إلى يوم الدين! قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ!﴾(الجمعة: 2)

تلك حقيقة القرآن المجيد! فمن يتلقَّى رسالاتها؟ مَنْ يُسْلِمُ نفسَه لله فَيَدْخُلُ في ابتلاءاتها؟ مَنْ ينطلق في الناس ببلاغاتها، ويبادر إلى عقد مجالسها؟ ويجدد عُمْرَانَ روحِه بِلَبِنَاتِهَا وبركاتها؟ من يُطَهِّرُ نَفْسَهُ بأنوارها وأمطارها؟ من يجاهد حزبَ الشيطان ببوارقها؟ من يتجرد لها فيكون من أهلها ورجالها؟ ولَعَسَاهُ يكون من أهل الله وخاصته؛ بمكابدة آياتها! وإنما: (أهلُ القرآن هم أهل الله وخاصته‌!)( رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير: 2165 )

فيا عبد الله بحق! هذا زمانك قد أتى! فحتى متى الانتظار؟.. حتى متى؟ وإلى متى..؟
ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله!


خادمكم المحب: فريد الأنصاري.


ــــــــــــــــــــانتهى.
Jeudi 28 mai 2009
- Publié dans : القرآن العظيم
Voir les 0 commentaires - Ecrire un commentaire
http://alfetria.com/forum


عندما يُضْرَبُ الحِصَارُ على القرآن وأهلِه، وتُغْلَقُ مَدَارِسُهُ ومَحَاضِرُهُ، وتُصَادَرُ ألواحُه وحَنَاجِرُهُ؛ فإن الله - جل جلاله – يبعث له من يتلقى رسالاته من جديد؛ على سبيل التجديد لهذا الدين في النفوس، وتحدي الكيد الشيطاني للدين وأهله! ثم ينشر نوره في الآفاق! ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ!﴾(الصف:8)

إن المسلمين في كثير من الأقطار يعانون اليومَ أزمةَ غياب التداول الاجتماعي للقرآن الكريم! ومعنى "التداول" ههنا: الانخراط العملي في تصريف آيات الكتاب في السلوك البشري العام، تلاوةً وتزكيةً وتعلماً، وتعريض تربة النفس لأمطار القرآن، وفتح حدائقها الْمُشْعِثَةِ لِمَقَارِضِهِ وَمَقَاصِّهِ! حتى يستقيم المجتمع كله على موازين القرآن!


إن ثمة أزمة منهاجية في التعامل مع القرآن وبياناته النبوية في الصف الإسلامي المعاصر.. إن مشكلتنا أننا نشتغل حول القرآن وليس بالقرآن وفي القرآن! وبينهما فرق كبير كما بيناه في كتاب "الفطرية".( ) إن الذي يشتغل بالعمل حول النص الشرعي، معناه أنما هو يتخذه شعاراً فقط، ربما من حيث لا يدري! لأنما هو في الواقع يشتغل بمجموعة من الأفكار المجردة، والآراء الشخصانية، أو الجماعية. ولذلك فإنك تجد عملية تداول القرآن ومكابدته في مثل هذا الصف ضعيفةٌ جِدّاً إن لم تكن منعدمة! لأن التحقق برسالات القرآن، وبحقائق الوحي، ليس مقصوداً لذاته في حركة ذلك العمل. وفي ذلك ما فيه من مَثَالِمَ ومَخَارِمَ!


أما الاشتغال بالقرآن وفي القرآن، فهو: عمل يتخذ كتابَ الله أساسَ مشروعه، وصُلْبَ عَمَلِهِ ومنهاجِه، تلاوةً وتزكيةً وتَعَلُّماً وتعليماً! إنه دخول في مسلك القرآن، تَلَقِّياً لآياته، وخضوعاً لحركته التربوية في النفس، ومكابدةً لحقائقه الإيمانية، واستيعاباً لأحكامه وحِكَمِهِ، في طريق حمل النفس على التحقق بمنازلها والتخلق بأخلاقها! إن السير العملي في ميدان الدعوة والتربية على هذا المنهاج هو عين الالتزام بمنهاج النبوة في إصلاح النفس والمجتمع. إنه تمثل حقيقي بحياة الصحابة الكرام، واتباع للطريقة العلمية الحقة في تجديد الدين، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.


إن اتخاذ القرآن أساس العمل الدعوي، ليس معناه إلغاء وسائل العمل الإسلامي الاجتهادية، سواء كانت اجتماعية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو إعلامية، أو ثقافية...إلخ. وإنما هذا المنهاج يحكم عليها جميعاً بالانضواء تحت هيمنة القرآن والخضوع لتوجيهه وأولوياته! وكذلك بَنَى محمدr مجتمع الإسلام الأول، تحت عين الوحي وتوجيهه. ودونك سيرته العظمى فانظر!



إن حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب مهم جداًّ، لكنه لا يمثل بمفرده حقيقة ما نحن فيه! رغم أن تعميم الحفظ والاستظهار لكتاب الله، أو لبعضه، من أهم خطوات السير فيه! إن الحفظ المطلوب في هذا المنهاج إنما هو الحفظ الذي مارسه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يتلقون خمس آيات أو عشراً، فيدخلون في مكابدة حقائقها الإيمانية ما شاء الله، فلا ينتقلون إلى غيرها إلا بعد نجاحهم في ابتلاءاتها! ومن ثم يصير حفظ القرآن بهذا المسلك مشروعَ حياة! وليس مجرد هدف لِسَنَةٍ أو سنتين، أو لبضع سنوات!

إن الذي لا يكابد منـزلةَ الإخلاص، ولا يجاهد نفسه على حصنها المنيع، ولا يتخلق بمقام توحيد الله في كل شيء رَغَباً ورَهَباً؛ لا يمكن أن يُعْتَبَرَ حافظا لسورة الإخلاص! وإن الذي لا يذوق طعم الأمان عند الدخول في حِمَى "المعوذتين"، لا يكون قد اكتسب سورتي الفلق والناس! ثم إن الذي لا تلتهب مواجيدُه بأشواق التهجد لا يكون من أهل سورة المزمل! كما أن الذي لا تحترق نفسه بجمر الدعوة والنذارة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس من المتحققين بسورة المدثر! ثم إن المستظهر لسورة البقرة، إذا لَمْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ لله في كل شيء، ولم يسلك بها إلى ربه، متحققا بأركان الإسلام وأصول الإيمان، متخلقاً بمقام الجهاد في سبيل الله، صابراً في البأساء والضراء وحين البأس، متنـزها عن المحرمات في المطعومات والمشروبات ..إلخ، واضعاً عنقَه تحت رِبْقِ أحكام الشريعة، في دينه ونفسه ومالِه، متحققاً بِخُلُقِ السمع والطاعة لله على كل حال، من غير تردد ولا استدراك؛ لا يكون حافظاً لسورة البقرة! وإنما الحافظ للشيء هو الحافظ لأمانته، المتحقق بحكمته، العامل بمقتضاه، المكابِدُ لما تلقَّى عنه من حقوق الله!

لقد أجمع العلماء والدعاة على أن هذا الدين - كتاباً وسنةً - مِنْهَاجُ حياة.. وإنه لن يكون كذلك في واقع الناس، أفراداً وجماعات ومؤسسات؛ إلا باتخاذه مَشْرُوعَ حَيَاةٍ، تُفْنَى في سبيله الأعمار! وهذه قضية منهجية أساسٌ لتلقي موازينه الربانية، والتخلق بحقائقه الإيمانية؛ حتى يصبح هو الفضاء المهيمن على حياة المسلم كلِّها دِيناً ودُنْياً.

إن هذا الهدف العظيم لا يمكن أن يتحقق للإنسان، إلا بعقد العزم على الدخول في مجاهَدات ومكابَدات مستمرة؛ للتحقق بمنازل القرآن ومقاصده التعبدية، من الاعتقاد إلى التشريع، إلى مكارم الأخلاق وأشواق السلوك.. سيراً بمسلك التلقي لحقائق القرآن الإيمانية، والمكابدةِ الجَاهِدَةِ لتكاليفها الشرعية، والسير إلى الله من خلال معراجها العالي الرفيع! ثم تتبع آيات القرآن، من أوله إلى آخره، آيةً آيةً؛ حتى يختم كتاب الله على ذلك المنهاج!

وإننا لَنَعْلَمُ أن الكمال في هذه الغاية هو مما تفنى دونه الأعمار! ولكن ذلك لا يلغي المقاربة والتسديد! وإن أحق ما توهب له الأعمار كتاب الله! وفي مَثَلٍ بليغ حق بليغ: أن نملة انطلقت في طريقها، عاقدةً عزيمتَها على حج بيت الله من أقصى الأرض! فقيل لها: "كيف تدركين الحج وإنما أنت نملة؟ إنَّكِ ستموتين قَطْعاً قبل الوصول!" قالت: "إذن أموت على تلك الطريق!"..

وإن القرآن لهو بحق مشروع العمر، وبرنامج العبد في سيره إلى الله حتى يلقى الله! وما كان تنجيم القرآن، وتصريف آياته على مدى ثلاث وعشرين سنةً، إلا خدمةً لهذا المقصد الرباني الحكيم! ولقد استغرقَ القرآنُ عُمْرَ النبيr، وأعمارَ صحابته الكرام جميعاً، فكان منهم من قضى نحبه قبل تمام نزوله، ومنهم من لم يزل ينتظر، حتى جاهد به على تمامه في الآفاق بَقِيَّةَ عمره، إلى أن توفاه الله! لقد عاشوا بالقرآن وللقرآن، وما بدلوا تبديلاً! فكانوا هم الأحق بلقب: "جيل القرآن"، أو "أمة القرآن!"..

لقد كان الواحد منهم إذا تلقى الآية، أو الآيتين، أو الثلاث.. يبيت الليالي يكابدها، قائماً بين يدي ربه - عز وجل - متبتلاً! يُلْهِبُ نَفْسَهُ الأمَّارةَ بسياطها، ويبكي ضعفه تجاه حقوقها، وبُعْدَ المسافة بينه وبين مقامها! فلا يزال كذلك مستمرّاً في صِدْقِهِ الصَّافِي ونشيجه الدامي؛ حتى يفتح الله له من بركاتها، ما يرفعه عنده ويزكيه! فإذا كان النَّهَارُ انطلقَ مجاهداً بها نَفْسَهُ، في أمورِ مَعَاشِهِ ومَعَادِهِ، وداعيا بها إلى الله مُعَلِّماً ومُرَبِّياً، أو مقاتلاً عليها عدواً، شاهداً عليه أو مستشهداً!

ولم يكن ينـزل على الرسولr من القرآن آيٌ جديد؛ حتى يكون الآيُ السابق قد ارتفعت له في نفوس أصحابه أسوارٌ عالية وحصونٌ، على قَصْدِ بناء عُمْرَانِ الروح العظيم، الذي بِلَبِنَاتِهِ الفردية ارتفع صَرْحُ الأمة وتألَّف! ولم يزل التابعون وأتباعهم على هذا المنهاج القرآني، في التربية والدعوة والجهاد؛ حتى فتح الله لهم الأرض، ومَكَّنَ لهم فيها قروناً!

إن الدخول الجماعي المؤلَّف من المؤمنين الربانيين، في هذا المشروع القرآني العُمْرِيِّ، هو أساس تجديد الدين، واستنبات جيل الفتح المبين! وإن أغلب فصائل الحركة الإسلامية في شغل شاغل عن هذا المنهاج! ولقد سجلنا في غير ما ورقة وكتابٍ، تشخيصَنا لأزمة العمل الإسلامي المعاصر، وبياناً لانحرافه عن الميزان الشرعي لمسلك الوحي، برنامجاً ومنهاجاً! ومخالفته لمراتب الأولويات الدعوية، كما هي مقررة في الكتاب والسنة!

إننا في حاجة إلى الدخول في ابتلاءات الآيات القرآنية والكلمات الرحمانية؛ تلقيا لحقائقها الإيمانية، وخضوعاً لعملياتها الجراحية، ومكابدة لهداها المنهاجي؛ حتى يُشَاهِدَ كُلٌّ منا عبوديتَه لله خالصة نقية! ويَشْهَدَ عَبْدِيَّتَهُ له تعالى، على أتم ما يكون الوقوف على باب الخدمة والطاعة!

إن الأمة اليوم في حاجة ماسة إلى من يُبَلِّغُهَا هذه الرسالات، على سبيل التجديد لدينها، والخروج بها من أزمتها، وتوثيق صلتها بكتاب ربها؛ عسى أن تعود إلى احتلال موقعها، من شهادتها على الناس كل الناس! على منهاج النبوة الحق، ووظائفها الكبرى: تلاوةً للآيات بمنهج التلقي، وتزكيةً للنفوس بمنهج التدبر، وتَعَلُّماً وتعليماً للكتاب والحكمة بمنهج التدارس!
وإن يقيننا راسخٌ في أن الانخراط العملي الصادق المخلص في هذا المنهاج؛ يجعل الأمة تترقى بمدارج العلم بالله، والتعرف إلى مقامه العظيم؛ ما يجعلها تستأنف حياتها الإسلامية، على وزان جيل القرآن الأول: الصحابة الكرام! وإن ذلك لهو السبيل الأساس لتحرير الأمة من الأهواء والأعداء!

وإن يقيننا راسخ في أن أول من سيخضع لعمليات هذا المنهاج القرآني، وجراحته العميقة هو حامل رسالاته أولاً! فنور القرآن لا يمتد شعاعه إلى الآخرين؛ إلا باشتعال قلب حامل كلماته، وتوهجه بحقائقه الإيمانية الملتهبة!

فيا شباب الأمة وأشبالها!

هذا كتاب الله ينادي!.. وهذه الأمة تستغيث!.. فمن ذا يبادر لحمل الرسالة؟ من ذا يكون في طليعة السفراء الربانيين، الحاملين لرسالات هذا الدين، إلى جموع التائهين والمحتارين هنا وهناك؟.. من يفتح صدره لنور القرآن، فيقدح به أشواقَ العلم بالله والمعرفة به؟ عساه ينال شرفَ الخدمة في صفوف الإغاثة القرآنية، والإنقاذ لملايين الغرقى في مستنقعات الشهوات والشبهات؟ من يمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يداً غير مرتعشة؛ فيبايعه على أخذ الكتاب بقوة؟ ويقبض على جمر هذا الإرث الدعوي العظيم: رسالات القرآن؟ من يقول: "أنا لها يا رسول الله!" فيقوم بحقها ويَفِي بعهدها؟ ثم ينخرط في مسلك بلاغات الوحي، سيراً على أَثَرِ الأنبياء والصديقين: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً!﴾(الأحزاب: 39).

فهل من عَبْدٍ – حَقَّ عَبْدٍ لله - يجعل حياتَه وقفاً على دين الله، يتلقى كلمات الله، ويُبَلِّغُ رسالاتِه! عسى أن يتحقق بولاية الله؛ فيفتح الله له، وعلى يديه! ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ! قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً!﴾(الطلاق:3)

ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله!

والسلام عليكم ورحمة الله.

محبكم: فريد الأنصاري.
Lundi 25 mai 2009
- Publié dans : القرآن العظيم
Voir les 0 commentaires - Ecrire un commentaire

"نعم نعم.. قضينا في المدينة تسعة أيام كاملة!"
"رائع. أنت محظوظة حقا. إذن فقد شاهدت كل المآثر هناك"
ظهرت الحسرة و المرارة في نبرة صوتها. "لا لا.. كنت سجينة البيت. عندما أحاول الخروج و التجول أرى علامات في الدروب. لكنني لا أستطيع قراءتها.. فأعود لغرفتي مرة أخرى.."

خيم جو من الصمت على المكان. أغالب دموعي و أحول اتجاه الموضوع.

أيا ما كان الموضوع، فإننا نعرج في آخر المطاف على نفس النقطة. تشعر بالعجز، و أشعر بالشفقة. يا لها من نعمة لا أنتبه إليها!!

---

كان يجتز العشب. قسمات وجهه القوية تحمل من التعب الكثير. عيناه الغائرتان ميتتان.. لكنه يحكي لي.
"كانت زيارتي الأولي لتلك المدينة. كنت سعيدا بهذه الفرصة لاكتشاف هذه المدينة الكبيرة.
مباشرة بعد نزولي من المحطة وقفت. أدرت عيني بين أسماء المحلات و عناوين الشوارع، لكنني لم أفهم شيئا. أحسست بالعجز.
ليتني بقيت في مدينتي. أو ليتني اصطحبت شخصا ليقرأ لي.."

أنظر إليه. كان يبدو من قبل قويا، لكنه الآن عاجز. يغبطني -كما يقول- لأنني أقرأ.

---

أقرأ!!

نعم أيها القارئ العزيز. أنا أقرأ، و أنت كذلك!

هل أحسست يوما بحجم هذه النعمة؟

هل تخيلت نفسك أميا؟

لو كنت كذلك لعجزت عن قضاء الكثير من حوائجك. و الأخطر من ذلك، لكنت تعاني في أوقات فراغك من الوحدة القاتلة. حتى الحوار مع النفس لا يوجد، اللهم إلا حوار الصم..

فيا أيها القراء! هلموا معي نشكر ربنا على هذه النعمة الغالية. فإنه لم يعطنا إياها إلا لنسخرها في ما يرضيه

الحمد لله رب العالمين!
Dimanche 17 mai 2009
- Publié dans : علمتني الحياة
Voir les 0 commentaires - Ecrire un commentaire

Calendrier

Juillet 2009
L M M J V S D
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31    
<< < > >>
Créer un blog sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus